والذي يظهر أن الصواب في المراد من الطمس: المعنى الحقيقي، وذلك من أوجه:
الأول: نظائر الآيات التي تدل على أن المراد من الطمس: المحو والإزالة، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [سورة المرسلات:] وقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [سورة يونس: ٨٨]، أي أزل صورتها ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [سورة يس: ٦٦] أي محونا أثرها وأزلنا ضوءها كما يزال الأثر (١).
الثاني: ما ورد عن بعض السلف أنهم فهموا من الطمس المعنى الحقيقي.
فقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني قال:" كان أبو مسلم معلم كعب، وكان يلومه على إبطائه عن رسول الله ﷺ، قال: بعثه إليه لينظر أهو هو؟ قال: حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ فبادرت الماء اغتسل وإني لأمس وجهي مخافة أن يطمس ثم أسلمت"(٢).
الثالث: من حيث اللغة: فإن الطمس في اللغة: المحو والإزالة، تقول العرب في وصف المفازة، إنها طامسة الأعلام وطمس الطريق وطمس إذا درس، وقد طمس الله على بصره إذا أزاله وأبطله، وطمست الريح الأثر إذا محته، وطمست الكتاب محوته (٣).
الرابع: أن المتبادر من اللفظ الحقيقة. ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر إرادتها. ولا تعذر هنا. كما أن المتبادر من اللعن، المشبه بلعن أصحاب السبت، هو المسخ. وهو الذي تقتضيه بلاغة التنزيل. إذ فيه الترقي إلى الوعيد الأفظع. ولا ننكر أن تكون هذه التأويلات مما يشمله لفظ الآية. وإنما البحث في دعوى إرادتها دون سابقها. فالحق أن المتبادر من النظم الكريم هو الأول - يعني المعنى الحقيقي- لأنه أدخل في الزجر" (٤).