إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفِست؟ قالت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري" (١).
وجه الاستدلال:«افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي في البيت». فيقال: إن الاستثناء معيار العموم، فلم يستثن الرسول ﷺ إلا الطواف، ومعلوم أن الحاج يمكث في المسجد، ولو كان لا يحل لها لنهاه النبي ﷺ عنه (٢).
خامسًا: مما يدل على جواز مُكث المتوضئ من الجنابة في المسجد، أن الوضوء يُخفف الجنابة؛ بدليل أنَّ الرَّسول ﷺ سُئل عن الرجل يكون عليه الغسل؛ أينام وهو جُنُب؟ فقال ﷺ:«إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جُنُبٌ»(٣).
وأيضًا لأن الوضوء أحد الطهورين، ولولا الجنابة لكان رافعا للحدث رفعا كليا فحينئذ يكون مخففا للجنابة (٤).
مناقشة الاستدلال بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ على تحريم دخول الجنب المسجد مطلقًا:
إن استُدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [سورة النساء: ٤٣] على تحريم مكوث الجنب في المسجد مُطلقًا، فالجواب من وجهين:
الأول: أن النهي إنما هو عن قربان الصلاة، وليس المكوث في المسجد. فقد كان ابن عباس ﵁ يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ يقول: "أن لا يقرب الصلاة
(١) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، برقم: (٣٠٥)، وأخرجه مسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، برقم: (١٢١١). (٢) موسوعة أحكام الطهارة: الذبيَان (١١/ ٢٨٧، ٢٨٨). (٣) أخرجه البخاري، كتاب الغسل: باب نوم الجنب، برقم (٢٨٧)، وأخرجه مسلم، كتاب الحيض: باب جواز نوم الجنب، برقم (٣٠٦) عن عمر بن الخطاب به. (٤) الشرح الممتع: العثيمين (١/ ٣٥٢، ٣٥٣).