الأمة، إذا ثبت هذا فنقول: الحكم إذا كان مذكورا عقيب وصف يناسبه، فذلك الاقتران في الذكر يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، إذا ثبت هذا فنقول: لو كان نكاح الأمة جائزا بدون القدرة على طول الحرة ومع القدرة عليه لم يكن لعدم هذه القدرة أثر في هذا الحكم البتة، لكنا بينا دلالة الآية على أن له أثرا في هذا الحكم، فثبت أنه لا يجوز التزوج بالأمة مع القدرة على طول الحرة (١).
الرابع: من حيث المفهوم: وهو أن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، والدليل عليه أن القائل إذا قال: الميت اليهودي لا يبصر شيئا، فإن كل أحد يضحك من هذا الكلام ويقول: إذا كان غير اليهودي أيضا لا يبصر فما فائدة التقييد بكونه يهوديا، فلما رأينا أن أهل العرف يستقبحون هذا الكلام ويعللون ذلك الاستقباح بهذه العلة، علمنا اتفاق أرباب اللسان على أن التقييد بالصفة يقتضي نفي الحكم في غير محل القيد" (٢).
الخامس: من حيث الضرورة: فإن الضرورة تتحقق إذا عدم المال وخاف على نفسه العنت، ولم يجد إلا نكاح الأمة ليقضي فيها وطره، فتكون حاجته في نكاح الأمة كحاجة المضطر للميتة، وليس كذلك إن كان موسرًا فإنه ليس بموضع ضرورة (٣).
فتبين مما تقدم أن الله تعالى خصص في الآية من لم يجد السعة في نكاح الحرة المؤمنة فله أن ينكح الأمة، وأما ما عداه ممن وجد طولا وسعة فليس له إلا نكاح الحرة.
تنبيهان:
الأول: ما قيل من جواز نكاح الأمة في حال إن كان الناكح موسرا، قد تعقبه غير واحد من أهل العلم ومن المفسرين، ووصفوه بالتكلف والضعف، ولا يساعده ظاهر الآية كما قال القاسمي ﵀(٤).
(١) انظر: أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٢/ ٤١٥)، وانظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٤٧، ٤٨). (٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٠/ ٤٨). (٣) انظر: جامع البيان: الطبري (٦/ ٥٩٥). (٤) انظر: أحكام القرآن: الكيا الهراسي (٢/ ٤٢٣، ٤٢٤)، وانظر: حاشية ابن المنير على الكشاف (١/ ٤٩٩)، وانظر: فتح القدير: الشوكاني (١/ ٥١٨، ٥١٩). وانظر: فتح البيان: صديق حسن خان (٣/ ٨٤، ٨٥).