وقال ابن كثير في تاريخه: "فإن الأول - يعني ذي القرنين واسمه الاسكندر- كان عبدا مؤمنا صالحا وملكا عادلا، وكان وزيره الخضر، وقد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا. وأما الثاني: - يعني الإسكندر المقدوني- فكان مشركا، وكان وزيره فيلسوفا، وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة. فأين هذا من هذا، لا يستويان ولا يشتبهان، إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور" (٢).
الوقفة الثانية:
قول القاسمي ﵀ في هذه المسألة: " فالوثنية، وإن كانت دين اليونانيين واعتقاد شعبهم، إلا أنه لا ينافي أن يكون الملك وخاصته على اعتقاد آخر يجاهرون به أو يكتمونه، كالنجاشيّ ملك الحبشة. فإنه جاهر بالإيمان بالنبيّ ﷺ. وشعبه وأهل مملكته كلهم نصارى. وهكذا كان الإسكندر وأستاذه والحكماء قبله" (٣).
جوابه: أن هذا القياس في غير محله، فإن الحكم على الناس في الدنيا إنما يكون بالظاهر، فإذا كان دين اليونانيين واعتقاد شعبهم هو عبادة الأوثان، حُكِمَ على من يحكُمهم بأنه مثلهم من حيث الظاهر.
وأما النجاشي وإن كان شعبه عامتهم من النصارى فإنه لا يُحكم عليه بمثلهم، لما ثبت في الصحيح أنه أسلم وصلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب، كما روى البخاري في صحيحه من حديث جابر ﵁: قال النبي ﷺ حين مات النجاشي: «مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة»(٤).
فهذا نص صريح في ثبوت إسلامه، بخلاف الاسكندر، والله أعلم.
(١) تاريخ الإسلام: الذهبي (١٣/ ٥٨١). (٢) البداية والنهاية: ابن كثير (٢/ ٥٤١، ٥٤٢)، وانظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (٥/ ١٨٧)، وانظر: إرشاد العقل السليم: أبو السعود (٥/ ٢٤١). (٣) محاسن التأويل: القاسمي (١١/ ٤١٠٧). (٤) أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب موت النجاشي، برقم: (٣٨٧٧).