فدل هذا على أن المراد من الطهارة: الطهارة الحسية: وهي الطهارة من البول والغائط.
الثاني: من حيث سبب النزول: فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره عن عامر الشعبي، قال:"كان ناس من أهل قباء يستنجون بالماء، فنزلت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١).
وأخرج أيضًا عن عطاء بن أبي رباح قال: أحدَث قوم الوضوءَ بالماء من أهل قباء؛ فنزلت فيهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٢).
الثالث: أن القول بأن المراد من الطهارة في الآية الطهارة الحسية من البول والغائط، هو قول عامة المفسرين من السلف كمقاتل، وشهر بن حوشب، وقتادة، والشعبي، والحسن في رواية، وغيرهم (٣).
وهو قول أكثر المفسرين (٤).
الرابع: من حيث سياق الآية: فإذا تأملت الآية عرفت استعمال القرآن لكلمة الطهارة في معنييها - الطهارة الحسية والمعنوية-، تبين لك أن الآية تُحمل على المعنييْن، فذكر الطهارة بعد الأمر بالوضوء والغسل قرينة المعنى الأول، والسياق العام، وذكر إتمام النعمة بعد الطهارة التي ذكرت بغير متعلق قرينة المعنى الثاني مضمومًا إلى الأول (٥).
وهذا الوجه تؤيده القاعدة التي تقدم ذكرها وهي أنه: "إذا احتمل اللفظ معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجمع، حمل عليها" (٦).
(١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٦٩١). (٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٦٩٣، ٦٩٤). (٣) أخرج أقوالهم ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٦٨٨ - ٦٩٢)، وانظر: تفسير مقاتل (٢/ ١٩٦). وانظر: الهداية: مكي بن أبي طالب (٤/ ٣١٥٨). (٤) نص على هذا مكي بن أبي طالب في الهداية (٤/ ٣١٥٨)، والخازن في لباب التأويل (٢/ ٤٠٧). (٥) انظر: التفسير والمفسرون في العصر الحديث: د. فضل عباس (٢/ ١٣٠، ١٣١). (٦) انظر تقرير هذه القاعدة في مسألة (٨٧) ص: (٥٦٧).