الأول: أنه على التسليم بصحة ما ورد في شيء مما جاء في سبب نزولها، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد تقدم بسط الحديث عن هذه القاعدة (١)، فالآية تشتمل على وجوب الانصات إلى قراءة القرآن، سواء في الصلاة، أو في منع المأموم من الجهر بالقراءة، أو في خطبة الجمعة أو العيدين، لا أنها تختص بمقام معين.
وعليه: فلا يصح رد القول بأنها نزلت في منع المأموم من الجهر بالقراءة مثلا، لأنه يذهب تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
الثاني: من حيث الإجماع: فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن الآية نزلت في الصلاة، ولكن هذا لا يعني أن وجوب الانصات لقراءة القرآن مخصوص بالصلاة، لما تقدم.
يقول ابن عبد البر:"في قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ مع إجماع أهل العلم، أن مراد الله من ذلك في الصلوات المكتوبة، أوضح الدلائل على أن المأموم إذا جهر إمامه في الصلاة، أنه لا يقرأ معه بشيء، وأن يستمع له، وينصت"(٢).
يقول ابن تيمية ﵀:" قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة. وقد قيل في الخطبة: والصحيح أنها نزلت في ذلك كله"(٣).
الثالث: الشواهد من السنة النبوية على وجوب الانصات لقراءة الإمام في الصلاة وفي الخطبة، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ، أنه قال:«إذا قرأ الإمام فأنصتوا» وإجماع الجميع على أن من سمع خطبة الإمام ممن عليه الجمعة، الاستماع والإنصات لها، مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك، عن رسول الله ﷺ، وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات
(١) انظر ما تقدم ذكره في مسألة رقم: (٥٦) ص: (٤٣٣). (٢) التمهيد: ابن عبد البر (٧/ ١٦٥). (٣) الفتاوى الكبرى: ابن تيمية (٥/ ٣٥٥).