والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد " (١).
الثاني: من حيث الإجماع: كما يقول الرازي في تفسيره: "اجمع المفسرون على ان المراد بالزينة هاهنا لبس الثوب الذي يستر العورة" (٢).
ويقول ابن رجب ﵀: "أما قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، فإنها نزلت بسبب طواف المشركين بالبيت عراة، وقد صح هذا عن ابن عباس، وأجمع عليه المفسرون من السلف بعده" (٣).
الثالث: أن هذا التأويل - وهو أن المراد من الزينة: الثياب وستر العورة- هو المأثور عن جمع من السلف كما تقدم، ولا يُعلم لهم مخالف في عصرهم، وهم خير الناس بعد محمد ﷺ، وأعلمهم بكتاب الله تعالى، وعلى هذا يلزم الأخذ بتأويلهم.
الرابع: من حيث النظائر: ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [سورة النور: ٣١]. يعني: الثّياب، والزينة لا تحصل إلا بالسّتر التام للعورات، ولذلك صار التزين بأخذ الثياب في الجمع والأعياد سُنَّة، فوجب حمل الزينة على ستر العورة (٤).
الخامس: من حيث دلالة السياق: فقد ذكر الله هذه الآية عقب ذكر قصة آدم ﵇، وما جرى له ولزوجه مع الشيطان حتى أخرجهما من الجنة، ونزع عنهما لباسهما حتى بدت عوارتهما، فقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٧]، ثم قال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٨] والمراد بالفاحشة هنا: نزع ثيابهم عند الطواف بالبيت، وطوافهم
(١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ١٥١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤٦٤)، برقم: (٨٣٧٤). (٢) مفاتيح الغيب: الرازي (١٤/ ٢٢٩)، وانظر: التفسير المظهري (٣/ ٣٤١). (٣) تفسير ابن رجب: طارق عوض الله (١/ ٤٧٧). (٤) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٤/ ٢٢٨، ٢٢٩)، وانظر: اللباب: ابن عادل الحنبلي (٩/ ٨٨).