للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

والناظر في أقوال المفسرين في بيان ما كان يُخفيه المشركون يوم القيامة يتبين له أن تعقب القاسمي على أبي السعود هو كما قال، فإذا كانت الآية تحتمل معاني كلها صحيحة ولا تعارض بينها، فإنه يتعين حملها على الجميع، وذلك من أوجه:

الأول: أن لكل وجه من الأول قرينة ونواظر تدل على صحته.

فمن قال بأن الذي كان يُخفيه المشركون هو أعمالهم السيئة من المعاصي والشرك بالله تعالى: يؤيده ما سيقت له الآيات من إنكار المشركين بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٣] فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر وذلك حين ﴿بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ وعلى هذا أهل التفسير (١).

ومن قال بأن الذي كان يُخفيه المشركون هو البعث والنشور، يؤيده سياق الآيات بعدها وهو قوله تعالى:

﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. فأنكروا البعث ليجرئوا عنى المعاصي (٢).

ومن قال بأن الذي كان يُخفيه المشركون هو النفاق الذي كانوا يُسرونه في الدنيا، هو باعتبار أن اسم الكفر مشتمل عليهم، فعاد الضمير على بعض المذكورين، قال النحاس: وهذا من كلام العرب الفصيح (٣).

وأيضًا قد سبق ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٤). ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [سورة العنكبوت: ١١]؛ وعلى هذا فيكون إخبارا عن حال المنافقين في الدار الآخرة، حين يعاينون العذاب يظهر لهم حينئذ غبُّ ما كانوا يبطنون من


(١) انظر: التفسير البسيط: الواحدي (٨/ ٧٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٣٥٤).
(٢) معاني القرآن: الزجاج (٢/ ٢٤٠).
(٣) إعراب القرآن: النحاس (٢/ ٧)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (٨/ ٣٥٤).
(٤) انظر: التيسير في التفسير: النسفي (٦/ ٤٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>