نفوره من أكل ماله على هذه الصورة الشنعاء دعاه ذلك إلى الإحجام عن أكل ماله مطلقا.
رابعًا: فيه تدريب للمخاطب على النفور من المحارم. ولا تكاد هذه الفائدة تحصل لو خصص النهي بأكله مع الفقر، إذ ليست الطباع في هذه الصورة معينة على الاجتناب، كإعانتها عليه في حال الأكل من مال اليتيم مع الغنى (١).
أوجه ما ذهب إليه أصحاب الفريق الثاني:
أولا: من حيث نظائر الآية: فإن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يدل على جواز ضم الفقير مال اليتيم لماله بالمعروف على قدر أجرة عمله.
والاستشهاد بنظائر الآية وإن كان له حظ من النظر إلا أن دلالة السياق المتقدم ذكرها مقدمة على الاستشهاد بنظائر الآية، إذا سياق الآية يدل على أن النهي موجه للأغنياء، بينما الموضوع يختلف في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فهنا يجوز أن يأخذ الفقير من مال اليتيم بقدر أجرته، فلا تُقاس هذه الآية على تلك، والله أعلم.
ثانيًا: من حيث البلاغة: فإن أهل البيان يقولون: المنهي متى كان درجات فطريق البلاغة النهى عن أدناها تنبيها على الأعلى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء: ٢٣] وإذا اعتبرت هذا القانون بهذه الآية وجدته ببادئ الرأي مخالفا لها، إذ أعلى درجات أكل مال اليتيم في النهى أن يأكله وهو غنى عنه، وأدناها أن يأكله وهو فقير إليه، فكان مقتضى القانون المذكور أن ينهى عن أكل مال اليتيم من هو فقير إليه، حتى يلزم نهى الغنى عنه من طريق الأولى (٢).
وهذا الاستشهاد يُقابله ما تقدم في الوجه الثالث من أوجه ما ذهب إليه أصحاب الفريق الأول، من حيث البلاغة.