الثاني: أن ما روي عن ابن عباس ﵁ وابن مسعود ﵁ إسناده صحيح وهو من الأمور الغيبية، والصحابي إذا تكلم في الأمور الغيبية فله حكم الرفع، والله أعلم (١).
الثالث: الشواهد من الأحاديث والسنة النبوية التي تؤيد ما ذهب إليه أصحاب الفريق الأول.
فقد روى الطبراني في معجمه عن ساكنة بنت الجعد، عن سَرَّى بنت نبهان الغنوية (٢) قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقتلوا - يعني الحيات- ما ظهر منها كبيرها وصغيرها، أسودها وأبيضها فإن من قتلها من أمتي كانت فداء له من النار، ومن قتلته كان شهيدا»(٣).
قال القرطبي: قال علماؤنا: وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم وولده، فلذلك كان من قتل حية فكأنما قتل كافرا. وقد قال رسول الله ﷺ:(لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا)(٤).
فالشاهد هو: ما ذهب إليه بعض العلماء أن العلة من قتل الحيات: مشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم ﵇، رغم ضعف الحديث المتقدم، والله أعلم.
إلا أن الرازي عقّب على هذا الاستدلال بقوله:" واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة، ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة"(٥).
(١) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح: ابن حجر (٢/ ٥٣٠). (٢) وهي: سراء بنت نبهان الغنوية، روت عن النبي ﷺ في خطبة الوداع. روى عنها ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين الغنوي، وساكنة بنت الجعد. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب: القرطبي (٤/ ١٨٦٠). (٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٣٠٨) وفيه: أحمد بن الحارث الغساني، قال أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (٢/ ٤٧): متروك الحديث، وفيه ساكنة بت الجعد وهي مجهولة. ينظر: تحرير تقريب التهذيب لابن حجر: بشار عواد (١/ ٣٩٦). (٤) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (١/ ٤٦٦)، والحديث أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب من قتل كافرا ثم أسلم، برقم: (١٨٩١). (٥) مفاتيح الغيب: الرازي (٣/ ٤٦٢).