الأول: من حيث دلالة السياق: فسياق الآيات قبلها يخبر الله تعالى عن أهل الكفر وتمتيعهم بالدنيا، وأنه لما جاءهم الحق وهو القرآن، ورسول مبين وهو: محمد ﷺ، كفروا به وقالوا: ﴿هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٣٠] وأن رحمة الله تعالى لهم وهي الجنة ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٣٢] من الأموال، فناسب أن يكون المراد من قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: ملة واحدة على دين الكفر، وإلا لجعلنا للكفار ما ذكرنا (١).
الثاني: من حيث الظاهر: فظاهر الآية يدل على أن المراد: ولولا كراهية اجتماعهم على الكفر، لقرينة الجواب في قوله تعالى: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾، فالتمتع بالدنيا من شيم أهل الكفر، بخلاف شيم أهل الإيمان ولهذا ختم الآية بعدها بقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢).
الثالث: نظائر الآية: فالغالب على أسلوب القرآن في ذكر متاع الدنيا، أن يذكره على سبيل التحقير والذم وسرعة الانقضاء، وهذا يكون للكافر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة البقرة: ١٢٦]، وقوله: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [سورة يونس: ٧٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [سورة لقمان: ٢٤]، وهكذا في هذه الآية والله أعلم (٣).
الرابع: ما جاء عن بعض من السلف أن التوسعة وبسط الرزق ومتاع الدنيا في الغالب مما يبتليه الله تعالى لأهل الكفر، وأنه مفهوم من قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً
(١) انظر: تأويلات أهل السنة: الماتريدي (٩/ ١٦٣). (٢) انظر: فتوح الغيب: الطيبي (١٤/ ١٣٨)، وانظر: إعراب القرآن الكريم وبيانه: محيي الدين درويش (٩/ ٨٤). (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (١/ ٦٢٢).