بأن المؤلف قد قضى دون أن يمكّن من تبييض «تاريخه» والاستقلال به عن «المختصر» تشهد بذلك أعمال الشطب الواسعة التي أجراها على صفحاته - أي صفحات «المختصر» - والتي طالت العشرات منها (١)، وذلك على خلاف السفر السابع والعشرين الذي وصل إلينا مبيضا خالصا من الشطب مع ما بين السفرين من التماثل في التعاطي مع «المختصر»(٢)، وطريقة النقل (الحرفي) منه (٣).
وإذا كان ثمة فروق ما بين نسختنا المفترضة من «المختصر»، والتي قام عليها هذا الكتاب، وبين مطبوعة «المختصر» الحالية (٤) فهي فروق طفيفة لا تخرج النسخة المذكورة من دائرة الانتساب إلى إحدى السلالات أو الأسر الخطية لهذا «التاريخ»، فقد تكون - وهذا احتمال قائم - عائدة في الأصل إلى النسخة التي استخدمها المؤلف من «المختصر» والتي ربما كانت تمثل في أيامه إحدى صور (طبعات في عصرنا) التاريخ المذكور، خاصة وأن هذه الفروق تتمثل - أكثر ما تتمثل - في مسألتي «الإخراج» أو «الشكل» مثل تناول المؤلف بعض السنوات بصورة مفردة، أو قيامه بتقسيم سنوات الكتاب إلى وحدات أو دفعات تحت
(١): وهذا يعني أن النسخة التي بين أيدينا ينبغي أن تعامل معاملة نسخة المؤلف، طالما أنها وصلت إلينا على الهيئة نفسها التي كانت عليها في حياة المؤلف (سنة ٧٤٦ هـ) دونما تبييض. (٢): المراد بالتعاطي مع «المختصر» هنا هو الاقتصار على الحوادث دون التراجم أو الوفيات كما أسلفنا آنفا. (٣): قام السفر السابع والعشرون بدوره على سلخ «المختصر» في تغطية الفترة الواقعة ما بين سنتي ٥٤١ - ٦٩٢ هـ/ ١١٤٦ - ١٢٩٣ م، قارن بالجزء الثالث (ص ١٨ - ٢١٩) والجزء الرابع (ص ٢ - ٢٩) من مطبوعة «المختصر»، وقد عرضنا لهذه المسألة في مقدمة تحقيقنا للسفر المذكور. (٤): قارن بطبعة الحسينية بمصر، ١٣٢٥ هـ، وهي الطبعة المشهورة والمتداولة حتى هذا التاريخ، علما بأننا لا نعرف طبيعة النسخة التي اعتمدها الناشرون، إذ من المعلوم أن طائفة جمة من كتب التراث ومن بينها «المختصر» قد نشرت في القرنين الماضيين خارج الشروط العلمية للتحقيق.