ويطرب الجميع بلطائف الأغاريد، يسكر سامعه وما شرب بنت حان (١)، ويهتز وما حركه سوى ألحان، تأخذ منه السعود بنصيب، ويعيد على العود شبابه وهو غصن رطيب، من كل مطرب ومطربة فاقا، وقاتا في صناعتهما حذّاقا، كما قال الحريري في جارية، قال: إن قرأت (ص ١١) شفت المفؤود، وأحيت الموءود، وخلتها (٢) أوتيت من مزامير آل داود، وإن غنت ظلّ معبد (٣) لها عبدا، وقيل سحقا لاسحاق وبعدا (٤)، وإن زمرت أضحى زنام عندها زنيما (٥)، بعد أن كان لحيله (٦) زعيما، وإن رقصت أمالت العمائم عن الرءوس، وأنشتك (٧) رقص الحبيب في الكؤوس؛
وهذا أديب الأندلس بل الغرب أبو الحسن علي بن بسام (٨) قد قال في خطبة كتاب الذخيرة، وقد ذكر ما لأهل الأندلس من فضل أدب
(١) الحانية: الخمر، والحانة موضع بيعها. القاموس المحيط مادة (حين)، فبنت الحان: الخمر. (٢) في الأصل حلتها. (٣) معبد المغني أسلفت ترجمته قبل صفحتين. (٤) سحقا: بعدا، وإسحاق هو الموصلي المغني المشهور، أسلفت ترجمته قبل صفحتين. (٥) زمرت أي نفخت في الناي، وزنام الزامر: أول من اشتهر في العرب باستعمال الناي، وقال بعضهم أول من أحدثه، وتطلق العامة في المغرب - في القرن الثالث عشر الميلادي - على الناي اسم (الزّلامي) تحريفا عن (الزنامي) نسبة إلى زنام هذا، كان من مطربي الخلفاء: الرشيد والمعتصم والواثق، وعده الثعالبي من صدور مطربي المتوكل، يضرب بزمره المثل. مات نحو سنة (٢٣٥ هـ) انظر الأعلام ٣/ ٤٩. زنيم: مستلحق في القوم ليس منهم كالدّعي. القاموس المحيط مادة (زنم). (٦) الحول والحيل: القوة. (٧) نشا: نسيم الريح الطيبة، وقد نشي منه ريحا طيبا نشوة ونشوة أي شممت، وتنشى وانتشى وجد نشوته. وقد تكون (النشوة) في غير الريح الطيبة. ونشي الرجل من الشراب نشوا ونشوة - بضم النون وفتحها - وتنشى سكر فهو نشوان. لسان العرب والقاموس المحيط (نشا). (٨) هو أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني الأندلسي، أديب من الكتاب الوزراء، اشتهر بكتابه (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) يعني جزيرة الأندلس، عارض فيه كتاب يتمة الدهر للثعالبي، مشهور بالأدب والشعر توفي سنة (٥٤٢ هـ) انظر معجم الأدباء ١٢/ ٢٧٥، ونفح الطيب ٣/ ٢٥٦ - ٢٥٨. وبغية الملتمس في تاريخ أهل الأندلس ٤٠١، والأعلام ٤/ ٢٦٦.