فقال (١) في ظله، فلم ينتبه إلا في رجل أتاه بزنبيل (٢) فيه من كل ما في السوق من حارّ وحلو وحامض، ثم قال له: يا عبد الله! كل، فأمسك. فقال له: كل، فأنت ما سألت، وإنما سئلت. فأكل ثم رفع يده، فقال له: كل، يا عبد الله!، للأيام التي لم تأكل فيها من غزة إلى هنا، وللأيام التي تريد أن لا تأكل فيها من هنا إليغزة، وارجع من حيث أتيت، فقد انقضى شغلك الذي جئت في طلبه بمصر.
قال: فأكل الفقير أكلا ما كان يعهده من نفسه، ولا يظنه، حتى أتى ما في الزنبيل عن آخره، ثم ناوله ذلك الرجل ماء مبرّدا، فشرب منه، ثم قال له: قم، فارجع. فقام، فرجع، وقد انقضى شغله، ووصل ما كان أراد، ولما توفي الشيخ حمّاد في [ … ](٣)، حضرت جنازته، فلم أر يوم دخول السلطان إلى مدينة، ولا يوم خروج حاج، ولا يوم عيد، كان أحفل من جنازته، وكان الناس منتشرين من مرج الدحداح بموضع موته، إلى مقابر باب الصغير، موضع دفنه، ما لأحد موضع أكثر من مكان قدمه، وشهدها عامّة أهل دمشق.
ومنهم:
٧٩ - محمد بن نبهان (١٣)
من بيت ما منهم إلا ولي تتشبث ذيله المطر، ويتشبه به النسيم إذا خطر، بناة عليا، وأساة قلوب أموات وأحيا، وما زالوا غيوم سما، ونجوم ظلما، وفي كل وقت منهم رجل شقيق شفيق، وسر السرى في علم التحقيق، سكنوا بيت جبرين (٤) من البلاد الحلبية، فهبّ
(١) قال يقيل، من القيلولة وهي النوم وسط النهار. (٢) الزنبيل: سلة من الخوص، وهو المقطف. فارسي. انظر: "المعجم الفارسي الكبير مادة زنبيل". (٣) لم يذكر تاريخ وفاته في النسخة المخطوطة الأصل، وقد ذكر المناوي في "الكواكب الدرية" أنه مات سنة ست وعشرين وسبعمائة. انظر: الكواكب الدرية ٤/ ٢٧١. (١٣) محمد بن نبهان بن عمر بن نبهان الجبريني، انظر ترجمته في: الدرر الكامنة ٤/ ٢٧٢. (٤) جبرين بالجيم والباء والراء المكسورة وآخرها نون: قرية من قرى حلب ". قال ياقوت: جبرين قور سطايا: بضم القاف وسكون الواو، وفتح الراء، وسكون السين المهملة، وطاء مهملة، وألف وياء وألف: من قرى حلب، من ناحية عزاز، ويعرف أيضا بجبرين الشمالي، وينسبوني إليها جبراني على غير قياس. انظر: معجم البلدان - ياقوت ٢/ ١٠١ وما بعدها".