طوى زمان الغناء بموت قرنائه، وأنسى إحسان المحسنين بغنائه، وأسس مالم يشيد على بنائه، حتى كان مجمع أولئك العشاق وطراز حواشي تلك الأيام الرقاق، وألف من صغره مغازلة النساء، فجاء على غنائه تلك الرقة، وبان في أصواته الشّجية البكاء لتلك الفرقة، واتصل بالخلفاء اتصال أمثاله، واتصف بما فات مراد الظرفاء من آماله.
قال أبو الفرج، قال الوليد بن يزيد (٢) لابن عائشة: يا محمد ألبغيّة أنت؟ قال: لا، ولكن كانت أمي يا أمير المؤمنين ما شطة، وكنت غلاما، وكانت إذا دخلت إلى موضع قالوا: ارفعوا هذا لابن عائشة، فغلبت على نسبي.
قال إسحاق: أخذ الغناء عن معبد ومالك، ولم يموتا حتى ساواهما، وكان حسن الصوت يفتن كل من سمعه، وابتداؤه الغناء كان يضرب به المثل، فيقال:
كأنه ابتداء ابن عائشة في الحسن. قال يحيى المكي: ثلاثة من المغنين كانوا أحسن الناس حلوقا: ابن عائشة [ص ٥] وابن بيرق (٣) وابن أبي اللباب، قال:
(١) ابن عائشة: أبو جعفر محمد بن عائشة، أحد الموسيقيين المتقدمين في صناعة الغناء ووضع الألحان في العصر الأموي، وهو من أهل المدينة، ينسب إلى أمه، وكانت مولاة لأحد بني كندة، ويضرب المثل في ابتدائه بالغناء، توفي نحو سنة ١٠٠ هـ. (الأغاني ٢/ ٦٠ والوافي بالوفيات ٣/ ١٨١ الأعلام ٦/ ١٧٩) (٢) الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان أحد الخلفاء الأمويين كان ميالا إلى الطرب بضرب العود ويوقع بالطبل على مذهب أهل الحجاز، توفي سنة ١٢٦ هـ. (٣) كذا في الأصل (بيرق) ولعله (البيزق) وهو البيزق الأنصاري القارئ وكان يعرف حبابة ويدخل عليها بالحجاز، فلما صارت إلى يزيد بن عبد الملك وارتفع أمرها عنده خرج إليها يتعرض لمعروفها، فأنشد يزيد وأكرمه. (الأغاني ١٥/ ٣٧ ط دار الكتب العلمية)