ملتقط فوائد، ومحصّل فرائد، تتعب ألف رائد، يبدر إلى محاسن المقال، وينظر [ص ٤٧] إليه لا إلى من قال، يأخذ الغناء من الأمة الوكعاء (٢)، وينوي الغنا عن الأمة الخلعاء، وكان من أفراد أهل الطرب، وورّاد ما منع منه من موارد الطلب، وذكر ابن عساكر من أخباره ما ليس هذا موضعه، ولا الذي يحبّ مرقله ولا موضعه.
قيل إنه قدم مكة على الرشيد وعنده ابن جامع وإبراهيم وابنه إسحاق وفليح وغيرهم، والرشيد يومئذ خاثر (٣)، به خمار (٤) شديد، فغنّى ابن جامع ثم فليح وإبراهيم، فما حرّكه أحد منهم ولا أطربه، فاندفع [ابن] الهربذ يغني، فعجبوا من إقدامه في تلك الحال على الرشيد، فغنّى:(٥)[مجزوء الكامل]
يا راكب العيس التي … وخدت إلى البيت الحرام (٦)
قل للإمام أخي الإما … م ابن الإمام أبي الإمام
زين البرية إذ بدا … فيكم كمصباح الظّلام
جعل الإله الهربذ … يّ فداك من بين الأنام
(١) إسماعيل بن الهربذ: مغن من أهل مكة، كان مولى لآل الزبير بن العوام أدرك آخر أيام بني أمية وغنى للوليد بن يزيد وعمر إلى آخر أيام الرشيد، أخباره في الأغاني (الأغاني ٧/ ١١٨ - ١٢٠). (٢) الأمة الوكعاء: الجارية الحمقاء. (٣) الخاثر: من يجد الشيء القليل من الوجع والفترة، وخثرت نفسه: غثت وخبثت، واختلطت. (اللسان: خثر). (٤) الخمار: الصداع الذي يشعر به شارب الخمر بعد فترة من شربه. (٥) الشعر في الأغاني ٧/ ١١٨. (٦) وخدت الإبل: سرعت ووسعت الخطوة.