كأنّ مزاحف الحيّات فيها … قبيل الصّبح آثار السّياط
قال المهدي يوما وهو يشرب لسلامة الأبرش: جئني بسياط وعقال (١) وحبال، فارتاع كل من حضر، وظن جميعهم أنه يريد الإيقاع بهم، فجاء بسياط المغني [ص ٥١] وعقال المدائني الذي كان يوقع عليه، وحبال الزامر، فجعل الندماء يشتمونهم، والمهدي يضحك.
قال: دخل ابن جامع على سياط وقد نزل به الموت، فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم، قال: لا تزد (٢) في غنائي شيئا ليس منه، دعه رأسا برأس، فإنما هو ثمانية عشر صوتا.
١٩ - ابن جامع (٣)
مطرب جليل، ومطر ما عنده قليل، لم يقصر عن إسحاق فيما جمع، ولا تأخر فيما لم يعلق به طمع، وكان لا يرى إلا أن يكون ظيره، وأن يعدّ نظيره (٤)، وله في كل حديث إذا شاء نصيب، وكلام مصيب، إلا أن الغناء كان عليه العلم الذي به عرف، والسبب الذي لولاه لما كان عكف.
(١) في الأغاني: (عقاب). (٢) في الأصل «أن لا تزد» والتّصويب من الأغاني ١٤٧: ٦ [المراجع]. (٣) ابن جامع: إسماعيل بن جامع السهمي القرشي، ويعرف أيضا بابن أبي وداعة من أكابر المغنين الملحنين، كان من أحفظ الناس للقرآن، متعبدا، كثير الصلاة، يعتم بعمامة سوداء على قلنسوة طويلة ويلبس لباس الفقهاء في زي أهل الحجاز، ولد بمكة وضاق به العيش فانتقل بعياله إلى المدينة واحترف الغناء فذاعت شهرته فرحل إلى بغداد، واتصل بالخليفة هارون الرشيد فحظي عنده، وكان من أقران إبراهيم الموصلي، إلا أن هذا يزيد عليه الضرب بالعود، توفي ابن جامع سنة ١٩٢ هـ. (الأغاني ٦/ ٣٠٤ - ٣٥٦ البداية والنهاية ١٠/ ٢٠٧). (٤) في الأصل: «طيرة وإن بعد نظيره»؛ ولعلّها كما ثبت. والظئر تقال للمرضعة لغير ولدها ولزوجها [المراجع]. واستعمالها هنا مجازي.