للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٦٢ - أبو صدقة (١)

من المشهورين في أهل الموسيقا، والمشكورين تحقيقا، أطرب أصواتا، وأحيا نفوسا مواتا، خطب للتقريب وخطي إليه من غير مكان قريب، وإذا كان اندفع يغنّي استوجف الطير، وأوقف الراكب العجل عن السير، فكل مطرب يطير في الأوتار، ويطيب به حتى ذو الاقتار، لا يغلب على تدبير، ولا يشبه تلعّبه بالقلوب لاعب بالماء في الغدير (٢).

قال أبو الفرج: (٣) كان الرشيد يعبث به كثيرا، فقال ذات يوم لمسرور: قل لابن جامع، وإبراهيم الموصلي، والزبير [ص ١٦١] بن دحمان وبرصوما، وابن أبي مريم المديني، إذا رأيتموني قد طابت نفسي فليسألني كل واحد منكم حاجة، مقدارها مقدار صلته، وذكر لكل واحد منهم مبلغ ذلك، وأمرهم أن يكتموا أمرهم عن أبي صدقة، فقال لهم مسرور ما قال له، ثم أذن لأبي صدقة قبل إذنه لهم، فلما جلس قال: يا أبا صدقة، قد أضجرتني (٤) كثرة مسألتك، وأنا في هذا اليوم ضجر قد أحببت أن أتفرج وأفرح، ولست آمن أن تنغص عليّ مجلسي بمسألتك، فإما إن أعفيتني أن تسألني اليوم حاجة [وإلا فانصرف]، قال: يا


(١) أبو صدقة: هو مسكين بن صدقة، من أهل المدينة، مولى لقريش، كان مليح الغناء، طيب الصوت، كثير الرواية، صالح الصنعة، من أكثر الناس نادرة، وأخفهم روحا، وأشدهم طمعا، وألحهم في مسألة، وكان له ابن يقال له صدقة يغني وليس من المعدودين، وابن ابنه أحمد بن صدقة الطنبوري أحد المحسنين من الطنبوريين، وله صنعة جيدة، وكان أشبه الناس بجده في المزح والنوادر، وأبو صدقة من المغنين الذين أقدمهم هارون الرشيد من الحجاز في أيامه، أخباره في الأغاني. (الأغاني ١٩/ ٣٠٣ - ٣١٣).
(٢) في الأصل: «ولا يشبه يلعبه بالقلوب لاعب بالمآقي الغدير» وقرأته كما ترى [المراجع].
(٣) الخبر في الأغاني ١٩/ ٣٠٨ وما بعدها.
(٤) في الأصل: «ضجرتني» وفي اللغة: أضجره: جعله يضجر. [المراجع].

<<  <  ج: ص:  >  >>