رأى (١) ابن أبي عتيق يوما حلق ابن عائشة مخدّشا، قال: من فعل بك هذا؟ فقال: فلان، فمضى ونزع ثيابه، وجلس للرجل على بابه، فلما خرج، أخذ بتلابيبه (٢)، وجعل يضربه ضربا شديدا، والرجل يقول: مالك تضربني؟ أي شيء صنعت؟ وهو لا يجيبه حتى فرغ منه، ثم خلاه، وأقبل على من حضر فقال: أراد أن يكسر مزامير داود، شدّ على ابن عائشة فخنقه وخدش حلقه.
قال صالح بن حيّان (٣)، وذكر يوما المغنّين بالمدينة، فقال: لم يكن بها أحد بعد طويس (٤) أعلم من ابن عائشة، ولا أظرف (٥) مجلسا ولا أكثر طيبا، وكان يصلح أن يكون نديم خليفة وسمير ملك.
قال إسحاق: كان ابن عائشة تائها سيئ الخلق، فإن قال له إنسان تغنّ، قال:
ألمثلي يقال هذا؟ فإن قال له قائل وقد ابتدأ وهو يغني: أحسنت، قال: ألمثلي يقال أحسنت؟ وسكت، وكان قليلا ما ينتفع به، فسال العقيق مرة (٦)، فدخل
(١) في الأصل (لرأى) (والرواية في الأغاني ٢/ ١٩٧) (٢) أخذ بتلابيبه: أي جمع عليه ثوبه الذي هو لابسه عند صدره، وقبض عليه يجره، وكذلك يقال إذا جعلت في عنقه حبلا أو ثوبا وأمسكته به. (٣) كذا في الأصل (صالح بن حيان) وفي الأغاني: (صالح بن حسان) (٤) طويس: هو عيسى بن عبد الله، مولى بني مخزوم، أول من غنّى بالمدينة غناء يدخل في الإيقاع، كان ظريفا عالما بتاريخ المدينة وأنساب أهلها، يجيد النقر على الدف، وهو من أشهر المغنّين العارفين بصناعة الغناء في صدر الإسلام، توفي سنة ٩٢ هـ. (الأغاني ٣/ ٢٧، ٤/ ٢١٩ وفيات الأعيان/ ٤٠٠، النويري ٤/ ٢٦٣ الأعلام ٥/ ١٠٥) (٥) في الأصل: (أطرف) بالطاء المهملة وفي الأغاني (أظرف) بالظاء المعجمة وفي الأصل كثير من الكلمات مهملة غير معجمة. (٦) العقيق: هذا هو عقيق المدينة وفيه عيون ونخل، وقيل: هما عقيقان، العقيق الأكبر وهو مما يلي الحرة ما بين أرض عروة بن الزبير إلى قصر المراجل والعقيق الأصغر، ما سفل عن قصر المراجل إلى منتهى العرصة، والعرصة مكان بالعقيق من نواحي المدينة (ياقوت: العقيق).