للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومنهم:

٢٤ - محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع الصالحي (*)

قاضي القضاة، شمس الدين، أبو عبد الله، الحنبلي.

شمس حجبت أيامه بأجنحة الفواخت (١)، وضمخت بطيبها ردّ الأيام الفوائت، كان عصره مذهبا، وزمنه لأوقات السرور مذهبا، أمن به كل خائف كان يترقب، واستقرّ به كل سارق كان بخمر الباطل يتنقب.

كان أبوه رجلا يبيع الملح، ويتسبب في قليله طلبا للربح، وقضى على هذا الأيام، وأصلح به زمنه إصلاح الملح للطعام، وولد ابنه مغتذيا بطعامه الحل، ناشئا منه على نهج لسواه لا يستحل، فلما آن له حبّب إليه العلم، وحلّ لديه رتاج (٢) الفهم ظل، فظلّ يكاثر في اقتنائه، ويتابع سبيل السلف باقتفائه، حتى أصبح شمس عصره، إلا أنه مثل رأد (٣) الضحى، وردء الفجر وقد أطلّ مصبحا، فقنع ببلل من العيش لا تبل به الآماق، ولا تمسك بسببه الأرماق، منتصبا لطلبة يعلمها ما لم تعلم، وطلبة لو سئلت من الغمام لكان منه يتعلم.

ثم خطب من وظيفة القضاء للمنصب الجليل فامتنع، وطلب له غير القليل فاقتنع، فلم يزل به أرباب التعيين حتى قبل عقدها، وقدم زخرف الدنيا نقدها، وولي منصب القضاء وقعد لفصل المضاء، فما رأى جلي الكبراء أدقّ منه نظرا،


(*) الوافي بالوفيات ٥/ ٢٨، والبداية والنهاية لابن كثير الدمشقي ١٤/ ١٢٦، وأعيان العصر وأعوان النصر ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٥، رقم ١٧٨٧، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة للعسقلاني ٤/ ٢٥٨، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي ٦/ ١٣. وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/ ٣٨٠ - ٣٨١ رقم ٤٩٠.
(١) الفواخت: جمع فاختة: والفاختة: ضرب من الحمام المطوّق.
(٢) الرّتاج: الباب العظيم؛ وقيل: هو الباب المغلق. وقد أرتج الباب إذا أغلقه إغلاقا وثيقا.
(٣) رأد الضحى: وقت ارتفاع الشمس.

<<  <  ج: ص:  >  >>