ثم كانت مقدمة لبلية صفين، وشفاء صدور قوم ما شفين، ودامت مدته ثم لم تزل إلا على يد الحجاج زمان عبد الملك بن مروان، ستذكر عند انتهائها في ذلك الأوان، ثم لما انقضت دولة بني حرب، وفرغت منها الأيام، ونزعت في صدور الزمان شياطين أنصارها اللئام، أعقبتها الدولة المروانية، تنزوا قردتهم على المنابر، ويعلوا صغارهم مكان الأكابر، إلا فرد رجل واحد غلب عليه شيمة خاله لا عمه، وما مال إلى جده لأبيه إلا لأمه.
وأولها:
[١٠١ - دولة مروان بن الحكم]
ابن أبي العاص (١) بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو عبد الملك،
(١) مروان بن الحكم بن أبي العاص: أبو عبد الملك، خليفة أموي، هو أول من ملك من بني الحكم بن العاص، وإليه ينسب (بنو مروان)، ولد بمكة، ونشأ بالطائف، وسكن المدينة، فلما كانت أيام عثمان، جعله في خاصته، واتخذه كاتبا له، ولما قتل عثمان خرج مروان إلى البصرة مع طلحة والزبير وعائشة، يطالبون بدمه، وقاتل مروان في وقعة (الجمل) قتالا شديدا، وانهزم أصحابه فتوارى، وشهد (صفين) مع معاوية، ثم أمّنه علي فأتاه فبايعه، وانصرف إلى المدينة فأقام إلى أن ولي معاوية الخلافة، فولاه المدينة سنة ٤٢ - ٤٩ هـ، وأخرجه منها عبد الله بن الزبير، فسكن الشام، ولما ولي يزيد بن معاوية الخلافة وثب أهل المدينة على من فيها من بني أمية، فأجلوهم إلى الشام، وكان فيهم مروان، ثم عاد إلى المدينة، وحدثت فتن كان من أنصارها، وانتقل إلى الشام مدة ثم سكن تدمر، ومات يزيد وتولى ابنه معاوية بن يزيد، ثم اعتزل معاوية الخلافة، وكان مروان قد أسنّ فرحل إلى الجابية (في شمال حوران) ودعا إلى نفسه، فبايعه أهل الأردن سنة ٦٤ هـ، ودخل الشام فأحسن تدبيرها، وخرج إلى مصر وقد فشت في أهلها البيعة لابن الزبير، فصالحوا مروان، فولى عليهم ابنه عبد الملك، وعاد إلى دمشق فلم يطل أمره، وتوفي بها بالطاعون، وقيل: غطته زوجته (أم خالد) بوسادة وهو نائم فقتلته، وكان يلقب (خيط باطل) لطول قامته واضطراب خلقه، ويقال له ابن الطريد لأن النبي ﷺ طرد أباه الحكم إلى بطن وج (بالطائف) إذ كان يغمز عليه ويفشي سره، فقال: لا يساكني، فلم يزل فيها إلى أيام عثمان، فرده إلى المدينة، وكان ذلك مما نقم على عثمان، ومدة حكمه تسعة أشهر وثمانية عشر -