حتى نام، وعمدت إلى مرفقة محشوة ريشا، فجعلتها على وجهه وجلست عليها حتى مات غمّا، ثم صرخت وجواريها وقلن: مات أمير المؤمنين فجأة، وقيل: بل كان يعجبه اللبن فجاءته بلبن مسموم، فقال: ايتوني به إذا أفطرت، فلما أفطر أتوه به فشربه، فاعتقل لسانه، وصرخ جواريها، وأقبل يشير إلى من اجتمع إليه من ولده وغيرهم، أنها قتلتني، وجعلت هي تقول: أما ترونه يوصيكم بي ويشير إليكم بحفظي [ص ٢٥٢].
وولد مروان لثلاث من الهجرة، وتوفي في رمضان سنة خمس وستين، وهو في ثلاث وستين سنة، ومدة خلافته تسعة أشهر وأيام، وقبره بدمشق.
ثم:
١٠٢ - دوّلة ابنه عبد الملك بن مروان
ابن الحكم (١)، أبو الوليد، الفحل الذي لم يخطم، والرمح الذي لم يحطم، سهم لا تعدله خطا، وسيف لا يحدث لنبوته نبا، ثارت عليه ثوار فوطئهم بميسمه، وأبكاهم دما بدوام تبسمه.
كان ابن الزبير بمكة، وأخوه مصعب بالعراق، وخرج عليه عمرو بن
(١) عبد الملك بن مروان: ابن الحكم الأموي القرشي، من دهاة الخلفاء الأمويين، نشأ في المدينة، فقيها واسع العلم متعبدا ناسكا، وشهد يوم الدار مع أبيه، استعمله معاوية على المدينة وهو ابن ستة عشر عاما، وانتقلت إليه الخلافة بموت أبيه سنة ٦٥ هـ، فضبط أمورها وظهر بمظهر القوة، فكان جبارا على معانديه، قوي الهيبة، واجتمعت عليه كلمة المسلمين بعد مقتل مصعب وعبد الله بن الزبير في حربهما مع الحجاج، وكان يقال: معاوية للحلم وعبد الملك للحزم، ونقلت في أيامه الدواوين من الفارسية والرومية إلى العربية، وضبطت الحروف بالنقط والحركات، كان ذا دراية بالشعر والأدب، وأخباره مع الشعراء كثيرة، توفي بدمشق سنة ٨٦ هـ. (الطبري ٨/ ٥٦، ابن الأثير ٤/ ١٩٨، المحبر ص ٣٧٧، تاريخ الخميس ٢/ ٣٠٨، ٣١١، اليعقوبي ٣/ ١٣، المسعودي ٢/ ٨٦ - ١٠٣ ميزان الاعتدال ٢/ ١٥٣، الأغاني ينظر فهرسته)