الجبار العنيد (١)، لقبا ما عداه، ولقما سلكه فما هداه، حقيقة تمهجها، وطريقة تهجمها، فرعون ذلك العصر الذاهب، والدهر المملوء بالمعايب، يأتي يوم القيامة يقدم قومه فيوردهم النار، ويرديهم العار، فبئس [ص ٢٩٣] الورد والمورود، والبرد المودي في ذلك الموقف المشهود، رشق المصحف بالسهام، وفسق ولم يخف الآثام، وكفن وهو يدعى بالإمام، يسعى بما لم يحمده الله ولا الأنام، وأبرز جارية وطئها لتصلي بالناس في زي غلام، ورضيها استخفافا من بذلك المقام، لكنه كان فتى من فتيان قريش، يرتاح للندى، ويلتاح قمرا إذا بدا، لم يكن في بني مروان أفخم منه وسامة، ولا أفخر إذا لبس العمامة، يعطي الألاّف الآلاف، ولا يبالي في التلاف، جودا خلق من عنصره، وخلّق وهو نطفة من عنبره، استنشد طوائف الشعراء وأجازهم، واستقدم أهل الغناء ليكمل به مجلسه، وما عازهم، وما سمع بفتاة ذات جمال إلا هام بها، وهان عليه ما
(١) الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان: أبو العباس، من خلفاء الدولة الأموية بالشام، كان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم وأجوادهم، يعاب بالانهماك في اللهو وسماع الغناء، له شعر رقيق وعلم بالموسيقى، قال السيد المرتضى: كان مشهورا بالإلحاد متظاهرا بالعناد، وقال ابن خلدون: ساءت القالة فيه كثيرا، وكثير من الناس نفوا ذلك عنه، قالوا: إنها من شناعات الأعداء ألصقوها به. ولي الخلافة سنة ١٢٥ هـ، بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك، فمكث سنة وثلاثة أشهر، ونقم الناس عليه لحبه اللهو، فبايعوا سرا ليزيد بن الوليد بن عبد الملك، فنادى بخلع الوليد، وكان غائبا في (الأغداف) من نواحي عمّان بشرقي الأردن، فجاءه النبأ، فانصرف إلى البخراء، فقصده جمع من أصحاب يزيد فقتلوه في قصر النعمان بن بشير، وكان الذي باشر قتله عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، وحمل رأسه إلى دمشق، فنصب في الجامع، ولم يزل أثر دمه على الجدار، إلى أن قدم المأمون دمشق سنة ٢١٥ هـ، فأمر بحكه، كان مقتله سنة ١٢٦ هـ. الطبري ٨/ ٦٥، ابن الأثير ٥/ ١٠٣، اليعقوبي ٣/ ٧١، أمالي المرتضى ١/ ١٢٨ - ١٣١، الأغاني ٧/ ١، ٩/ ٢٧٤، تاريخ الخميس ٢/ ٣٢٠/ المسعودي ٢/ ١٤٥، ابن خلدون ٣/ ١٠٦، خزانة الأدب ١/ ٣٢٨)