الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فهذا هو السفر السادس والعشرون من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م، وهو عبارة عن تاريخ للعالم الإسلامي عن الفترة الواقعة ما بين سنتي ١٦١ - ٥٤٠ هـ/ ٧٧٧ - ١١٤٥ م من عمر الدولة العباسية وهي فترة حملت في دفتها الأولى كل ما يليق بدولة فتية ناهضة من عناصر القوة والغلبة حد القهر، وفي الثانية كل ما يليق بدولة معتلة شائخة من عوامل الضعف والتفكك حد الانهيار (١).
(١): سوف يطالع القارئ في هذه المرحلة فوضى من الدول والممالك والطوائف المتناحرة، فتنا وحروبا وثورات يصطلي بنارها الخلائق، مدنا يطويها الخراب وترهق وجوهها الدماء، ملوكا وأمراء يتنافسون الدنيا فيقتل الواحد منهم أباه وعمه وأخاه، مؤامرات ودسائس لا يعفى من عارها وشنارها كبير ولا صغير، وفوق هذا كله: خلفاء عاجزون، لا يتجاوز سلطانهم مواطئ أقدامهم، هذا إن أبقت لهم الأيام مواطئ أقدام، نعم هذا (المستعين بالله): خليفة في قفص … بين وصيف وبغا يقول ما قالا له … كما تقول الببغا وذاك (المعتز بالله) يجرّ من دار الخلافة برجله، ويضرب بالدبابيس ثم يطرح في الشمس … والأتراك يلطمون وجهه ويقولون له: اخلع نفسك، ثم يحضرون القاضي والشهود فيخلعونه ويسلمونه إلى من يعذبه حتى يموت! وآخر (المهتدي بالله) يمسك، ويسأل خلع نفسه من الخلافة فيأبى، فلم تزل الأتراك تهرس خصيتيه حتى مات! =