فسار حتى أتى بلاد البربر، فتابعوه وبايعوه، فقال فيهم:
[الطويل]
وأصبحت في شمّاء بالغرب عند من … يذبّون عنّي بالمثقّفة الملد (١)
رعوني لمّا ضيّعتني أقاربي … وما اطّرحوا ما كان أوصى به جدّي
فلم يزل الرشيد يستطلع علمه، فدسّ عليه حجّاما سمّه في سنون (٢) استنّ به، فسقطت أسنانه ومات في سنة ثمانين ومائة، وعمره ثمانية وخمسون سنة، وإلى ميتته هذه أشار أشجع السلمي في قوله:(٣)
[الكامل]
أتظنّ يا إدريس أنّك مفلت … كيد الخليفة أو يقيك حذار
هيهات إلا أن تكون ببلدة … لا يهتدى فيها إليك نهار
ثم قام بعده ابنه:
١٧ - إدريس بن إدريس (٤)
وهو الغر الذي ختل ودسّ عليه الكيد حتى قتل، وكان قد علا أمره،
(١) الملد: الناعمة اللينة، وهي من صفات الرماح. (٢) في الأصل: ستون، والصواب سنون، والسّنون (بالنون) ما يستنّ به من دواء لتقوية الأسنان وتنظيفها، واستنّ: استاك. (٣) شعر أشجع السلمي ص ٢٧٣ مع خلاف في الرواية ومقاتل الطالبيين ص ٣٥٧ والطبري ٣/ ٥٦١. (٤) إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن أبو القاسم: ثاني ملوك الأدارسة في المغرب الأقصى، وباني مدينة فاس، ولد في وليلى (بجبل زرهون) وتوفي أبوه وهو جنين، فقام بشؤون البربر راشد (مولى أبيه إدريس الأول وأمينه)، وقتل راشد سنة ١٨٦ هـ، فقام بكفالة إدريس أبو خالد العبدي حتى بلغ الحادية عشرة، فبايعه البربر في جامع وليلى سنة ١٨٨ هـ، فقام بكفالة إدريس فتولى ملك أبيه وأحسن تدبيره، وكان جوادا فصيحا حازما، أحبته رعيته، واستمال أهل تونس وطرابلس الغرب والأندلس إليه (وكانت في يد العباسيين بالمشرق يحكمها ولاتهم)، -