القدماء، ولكن لأهل الأندلس لطائف دقت عن تلك الأفهام ورقت عن مزاج ذلك الكلام، وإن كان من المشرق أصل ما عندهم من الأدب:[البسيط]
ففي السّلافة معنى ليس في العنب (١)
فلقد لطفوا مسالك الأدب، وأفادوا شرف الحضارة محاسن العرب، وقلبوا الأعيان وسحروا الألباب بالبيان، فجاؤوا بأعجب العجب، وزادوا بحسن السبك خالص الذهب، وإن كان الشرق قد أنتج من طبقة أهل الأندلس من لا تحجم به المفاخر، ولا تحجب به المفاخر، ولكن للأندلسيين لطائف أعلق بالقلوب، وأدخل على النفوس في كل أسلوب.
وأما العلوم العقلية كالطبيعي والرياضي والإلهي (٢) فلا نزاع في تقدم أهل المشرق فيها، وإن كان قد نشأ له بالغرب أناس، وبرقت له في الأندلس على عهد الحكم بن هشام (٣) لامعة، فالشرق فيه (ص ٣٦) لا يكابر ولا يكاثر، ولا يناضل
= (٣٠٣ هـ) أقام بالبادية يقتبس اللغة والأخبار، وكان من أذكياء عصره، بلغ الذروة في النظم، وأربى على المتقدمين، وانتشر شعره في الآفاق، مدح سيف الدولة ملك الشام، وكافورا صاحب مصر، وعضد الدولة ملك فارس والعراق، كان فارسا، قيل تنبأ ببادية السماوة، فأسره أمير حمص بعد قتال، ثم تاب، نال بشعره مالا كثيرا، أخذ عند النعمانية، بليدة بين واسط وبغداد فقاتل وقتل هو وولده وفتاه سنة (٣٥٤ هـ) كان معجبا بنفسه. انظر سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٩٩ - ٢٠١. (١) السّلاف: بضم السين وتشديدها ما سال من عصير العنب قبل أن يعصر. ويسمى الخمر سلافا. وسلافة كل شيء عصارة أوله. انظر لسان العرب والقاموس المحيط مادة (سلف). (٢) انظر الفهرست لابن النديم ٣٤٢ و ٤٩٣ وما بعدها و ٣٧١ و ٣٢، والعلوم عند العرب لقدري طوقان، والإسلام والحضارة العربية للأستاذ محمد كرد علي، وحضارة العرب للدكتور غوستاف لوبون، والعلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي ل (ألدو ميلي) الإيطالي، وفضل العرب على أوربا للعالمة الألمانية د. سيجريد هونكه .. (٣) الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل صاحب الأندلس ولد بقرطبة سنة (١٥٤ هـ). أول من جعل للملك أبهة، وأول من جنّد الأجناد، ومهد الملك لعقبه في الأندلس، كان شجاعا مقداما