ثم قال ابن سعيد ما صورته: فصل جامع مختصر يليق بهذا المكان. أمعنت النظر فيما دخلته من بلاد المغرب والمشرق، من البحر المحيط إلى خراسان، فرأيت المحاسن مقسمة لم يقصرها الله على مكان، ولا إنسان، لكن الأغلب على البلاد المشرقية التظاهر بالمروءات، والتكاثر بالمزارات (١)، والمشاهد والمدارس، والربط (٢) والأوقاف الدارّة (٣)، التي ينتعش بها الفقراء، ويستعين بها العلماء والمتعلمون، ويحدها (٤) الملوك في بعض الأوقات الضرورية، لكن أسباب الرياسة والرفاهية، جبّارية الإمكان، عالية الإيمان، ومرافق المغرب في المركوب والملبوس والمأكول والمشروب أرخص، وأقرب مرارا، ويمكن المرء أن يتجزى (٥) في المغرب بما لا يمكنه أن يتجزى بأضعافه في المشرق لكثرة تجبرهم في العظمة الكسروية، والنعم التي لا تطمح إليها نفوس المغاربة، ولا يألفها في المغرب، والمشارقة لهم التظاهر بأمور
(١) المزارات: جمع مزار - بفتح الميم - الزيارة وموضع الزيارة. انظر لسان العرب والقاموس المحيط مادة (زور) كالمساجد القديمة، وأضرحة بعض الصحابة والعلماء، أو آل البيت كمقام السيدة زينب والسيدة رقية ﵅ وغيرها. والمشاهد جمع مشهد وهو محضر الناس ويقال مشهدة والمشهدة. القاموس المحيط مادة (شهد) أقول كمشاهد أهل البيت. ومشاهد الإمامية. (٢) الربط: جمع رباط - بكسر الراء - مكان المرابطة لرصد العدو والاشتغال في حال السلم بطلب العلم وتلاوة القرآن والتعبد. (٣) الدّارة: من الدر وهو كثرة اللبن في الضرع، درّ الضرع باللبن يدر (درورا) وأدرت الناقة أي درّ لبنها. وهنا المراد التي تدر غلالها لسد حاجاتها وحاجات القائمين عليها. (٤) هكذا في الأصل (يحدها) ولعلها (يمدها) أي يقدم إليها مدد ومعونات. (٥) يتجزى: من جزى عنه بمعنى قضى عنه. القاموس المحيط (جزى) أي يكفيه ويسد حاجته في المغرب ما لا يكفيه في المشرق.