ويجتمعوا على الطاعة لك، ولا يؤدي بعضهم إلى بعض طاعة، ولا يتفقوا على رأي واحد، ولا تجتمع كلمتهم، ففعل الإسكندر ذلك، فتم أمره. فانظر إلى ما في هذا الابتداء والجواب من تعظيم الإسكندر وأرسطو لرجال فارس، وقول أرسطو إن أرض بابل تولد مثل هؤلاء الرجال. وهذا الإسكندر قد جال الأرض غربا وشرقا فما تراه أكبر إلا أهل الشرق، ولا عظمّ إلا لهم، وإذا كان هذا قوله في فارس فكيف كان قوله في الترك وفي الهند، مع ما هو مشهور من حكايات الإسكندر مع صاحب الصين (١)، مما اعترف له فيه بالحكمة، وأقرّ له بالفضل، مما ليس هذا موضع ذكره. فيا هل تراه ذكر أهل المغرب أو وصفهم بقول أو فعل.
وقد ذكر ابن سعيد أيضا أن الأرض تشبه بطائر رجلاه بر العدوه والأندلس (٢)، وقد تقدم ذكر هذا (ص ٤٦) التشبيه، ثم قال: ولا أسلم في تشبيه الأندلس برجل إلا إن أرادوا في الاعتماد عليها وعمارتها بمثل ما تعمر به رجل العروس الخالية من الخلاخل، وأشباه ذلك. وأنشد قول الصولي (٣) يخاطب
(١) انظر كتاب الإسكندر إلى أرسطو الكامل ١/ ٢٩١ وحواره مع ملك الصين ١/ ٢٨٥. (٢) انظر ص ٤ من الأصل الهامش. وذكر نحو هذا عن كعب الأحبار قال: (نجد هذه الأرض في كتاب الله تعالى على صفة النسر: فالرأس الشام، والجناحان المشرق والمغرب والذنب اليمن، فلا يزال الناس بخير ما بقي الرأس، فإذا نزع الرأس هلك الناس .... ) أخرجه ابن عساكر وهو قول كعب ولعله من الإسرائيليات. وأخرج ابن عبد الحكم عن عبد الله بن عمرو قال: (خلقت الدنيا على خمس صور على صورة الطير برأسه … والذنب من ذات الحمام إلى المغرب، وشر ما في الطير الذنب) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور عند تفسير الآية (١٣٦ - ١٣٧) من سورة الأعراف أقول ولا يثبت شيء من هذا عن رسول الله ﷺ وهي إسرائيليات. (٣) الصولي: هو العلامة الأديب ذو الفنون أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس الصولي البغدادي، صاحب التصانيف، حدث عن الإمام أبي داود وروى عنه ابن حيّويه والدارقطني، نادم جماعة من الخلفاء، مقبول القول، من أكابر علماء الأدب، كان أحسن الناس لعبا بالشطرنج له مصنفات كثيرة منها أخبار أبي تمام وأخبار القرامطة وأدب الكاتب وغيرها، توفي في البصرة مستترا سنة (٣٣٥ هـ) انظر سير أعلام النبلاء ١٥/ ٣٠١ - ٣٠٢.