للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال صاحب المقتبس: وكان سبب وفاته أنه افتصد يوم السبت للنصف من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، وهو يوم العنصرة مهرجان الأندلس، وكتم موته، وأبردوا بريدا إلى أخيه عبد الله بن محمد، فوافى سريعا، وبادر بدفن أخيه المنذر بن محمد، وكانت خلافته سنتين إلا خمسة عشر يوما، وكان سنه ستا وأربعين سنة، وكان أسمر طوالا، جعد الشعر، كث اللحية، بوجهه آثار جدري، يخضب بالحناء والكتم.

١١٩ - دولة أخيه عبد اللّه بن محمّد

أتاه نعي أخيه وهو غائب (١)، ووافاه الطلب بالخلافة وهو آئب، فلما فشا في العسكر موت أخيه الذاهب، تفرقت أهواؤهم، وشقشقت أنواؤهم، ورام كل منهم أمرا قصيا لم يدرك تمامه، وراض صعبا أبيا لم يملك زمامه، ولم يبق إلا من نزا به شيطانه، ونزل بداره سلطانه، ظنا هووا في أوديته، وحووا سوء الذكر في أنديته، حتى أشار عليه بعض نصحائه، بغض برحائه (٢)، ومواراة أخيه


(١) عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام: من خلفاء بني أمية في الأندلس، بويع له بقرطبة يوم وفاة أخيه المنذر سنة ٢٧٥ هـ، وكثرت الثورات في أيامه، وكان مقتصدا كارها للسرف، كثير الصدقات والمبرات ورعا، متفننا في العلوم، بصيرا بلغات العرب، فصيحا يقول الشعر ويرويه، ابتنى ساباط قرطبة بين القصر الجامع، وكان يقعد فيه قبل صلاة الجمعة وبعدها، فيرفع الحجاب، ويأذن لكل متظلم، وكان يجلس على بعض أبواب قصره في أيام معلومة، فترفع إليه الشكايات، وتصله الكتب من باب يضع فيه أصحاب الظلامات كتبهم وعرائضهم، يعده المؤرخون من أصلح الأمويين في المغرب، وأمثلهم طريقة، وأتمهم معرفة، وخصه ابن حيان بجزء من تاريخه المقتبس، توفي بقرطبة سنة ٣٠٠ هـ.
(ابن الأثير ٨/ ٢٤، ابن خلدون ٤/ ١٣٢، البيان المغرب، ينظر فهرسته، الحلة السيراء ص ٦٥، نفح الطيب ١/ ١٦٦، المقتبس ص ٦٨٦)
(٢) البرحاء: الشدة.

<<  <  ج: ص:  >  >>