توفي سنة سبع عشرة وخمسمائة. قدّر الشعر ثمّ فصّله، وحرّز مقاديره ثمّ وصله، ومسح الألفاظ على المعاني فجاءت سواء وجادت رواء، وجالت على المعاطف تامّة حللها، ضامّة لآيات حسن يتلوها مفصّلها، قد فاقت تحصيلا، وراقت جملة وتفصيلا، ثمّ برزت تلك الخرّد العين تجلى في تلك الملابس، وتزهى على الأقمار والظباء الأوانس.
كان ولوعا بتصحيح المعنى يبيت طول ليلته يلوطه، ويفتق له ذهنه كأنّه يخيطه، من كلّ معنى لو تصوّر لما عدت نفسه سجاياها (٢)، ولا عدّت ولائد النجوم إلاّ سباياها.
قصائد تركت والحسن في قرن، وملكت الحبّ كلّه بلا ثمن، تبتسم لسقيط الدرّ ثمّ تريبها، وتخاف العين وهي تصيب بالعين وتصيبها، إذا وصفت كان واصفها وإن جهد كأنّه يعيبها، وإذا غابت وشبّهها بالبدر كان كأنّه يستغيبها. عرب كرائم ما خلطن بهجان،
(١) ابن الخياط، أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التغلبي، من كبار شعراء الشام، ولد بدمشق سنة ٤٥٠ للهجرة، وتوفي بها سنة ٥١٧ للهجرة على ما ذكر المؤلف. طاف في كثير من البلاد، ودخل بلاد العجم وبلغ الريّ. التقى في حداثته بابن حيّوس الشاعر وهو شيخ كبير وأنشده شيئا من شعره فاستحسنه، وأعانه في بداية حياته الشعرية، وهو من الشعراء المجيدين مدح كثيرا من الرؤساء فأحسن، وحفظ له صاحب الخريدة قطعة صالحة من شعره في المديح، والرثاء، والغزل، وفنون أخرى، وكان كثيرا ما يتكئ في شعره على المتنبي، نفهم هذا من قول ابن الأثير في المثل السائر، ص ٤٦٩: (ثم إنّي وقفت أهل الشام على مواضع كثيرة من شعر ابن الخياط قد أخذها من شعر المتنبي). حقّق ديوانه وطبعه الأستاذ خليل مردم بك في دمشق، سنة ١٩٥٨، وقدّم له بمقدمة ضافية عن الشاعر وحياته، وخصائص شعره، وعلى هذه الطبعة اعتمدنا في توثيق شعره هنا. (٢) جاء في خريدة القصر، بداية قسم شعراء الشام، ص ١٤٥، أنّ ابن الخياط قال: صقلت هذه القصيدة أربعين سنة. وهي قصيدته في مدح عضب الدولة أبق بن عبد الرزاق أمير دمشق، ومطلعها: خذا من صبا نجد أمانا لقلبه … فقد كاد ريّاها يطير بلبّه وهي طويلة زادت على ثمانين بيتا.