للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قمره حتى غاب، ولا أصحر ضيغمه حتى واراه الغاب، فأراح من تجني الناصر تعب خواطرهم، ومن تعني الرسل بينهم وبينه نظر نواظرهم، وكان قد أمر بوظائف الرسل، ورتب لطائف الأنزال في السبل، فسارت إليه بهم ركائبهم الذلل الصعاب، وتحدرت إليه قصاده بطون الأودية وشعاف الشعاب، ثم انتقل إلى الله مبوّأ في لحده الكرامات، ممرضا بعده الصبر والكرى مات.

ثم:

[٩١ - دولة المستعصم بالله]

أبي أحمد عبد الله (١) بن المنصور المستنصر، وهو آخر الخلفاء في بغداد، بل آخرهم في سائر البلاد بالاستبداد، وكان محدثا سنيّا، محمدا سنيّا، تفقه على مذهب أحمد، وتشبّه في أوله في كل ما هو أحمد، وكان من ذوي العقول، إلا أنّ باريه كاده، والبصائر إلا أن الله أعماه ليمضي مراده، وأغري باللعب [ص ١٩٨] بالحمام، فجلب على المسلمين جالب الحمام، جمع منها


(١) المستعصم بالله: عبد الله بن منصور المستنصر ابن محمد الظاهر ابن أحمد الناصر، من سلالة هارون الرشيد، أبو أحمد، آخر خلفاء الدولة العباسية في العراق، ولد ببغداد، وولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة ٦٤٠ هـ، والدولة في شيخوختها، لم يبق منها للخلفاء غير دار الملك ببغداد، فألقى زمام الأمور إلى الأمراء والقواد، واعتمد على وزيره مؤيد الدين ابن العلقمي، وكان المغول قد استفحل أمرهم في أيام سلفه المستنصر، فكاتب ابن العلقمي قائدهم (هولاكو) حفيد جنكيز خان، يشير عليه باحتلال بغداد، ويعده بالإعانة على الخليفة، فزحف هولاكو سنة ٦٤٥ هـ، وخرجت إليه عساكر المستعصم فلم تثبت طويلا، ودخل هولاكو بغداد، فجمع له ابن العلقمي ساداتها ومدرسيها وعلماءها فقتلهم عن آخرهم، وأبقى الخليفة حيا، إلى أن دل على مواضع الأموال والذخائر ثم قتله، ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر، وبموته انقرضت دولة بني العباس في العراق، وعدة خلفائهم سبعة وثلاثون خليفة، ملكوا ٥٢٤ سنة، قتل المستعصم سنة ٦٥٦ هـ.
(النجوم الزاهرة ٧/ ٦٣، تاريخ الخميس ٢/ ٣٧٢ ابن خلدون ٣/ ٥٣٦، فوات الوفيات ١/ ٢٣٧)

<<  <  ج: ص:  >  >>