الخلق والسيف على عنق من أبى، ثم ما برح جده يعلو، وورده يحلو، حتى كان قائم دولة شاطرت المعمور، وشارطت السنين لا الشهور، ثم كان والد أملاك، وقاعدة ممالك باهرت الأفلاك، ولولا علم الله السابق ولطفه، لبلغت دولتهم أقصى الشرق في مذهبها، وعجلت الآية الكبرى بطلوع الشمس من مغربها.
وذكر القرطي في تاريخ القوم أن المهدي فيما كتب إلى القرامطة قبل انفراقهم عنه: وأنا أحلف أيها المؤمنون بأجل مما يحلف به لما اتبعته مما أطعنا الله عليه من غيبه الذي استأثرته، وآثر بعلمه أولياءه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أنه لابد من أن يحل ولاتنا بخضراء بني أمية بالشام، وبخضراء بني العباس بالعراق ويكون لنا من الخلفاء مثل من كان لبني أمية، قال: فقد والله إن كان جميع ما ذكره هو ما دوّن من كلامه ما وقّع به لقاضي قضاته أبي المنهال، وقد أعاده إلى القضاء بعد عزله، وهو: إنما عزلتك للينك ومهانتك، ورددتك لدينك وأمانتك، وتوفي نصف ربيع الأول سنة [ص ٥٠] اثنتين وعشرين وثلاث مائة، ثم ابنه:
٣٢ - القائم بأمر اللّه (١)
أبو القاسم محمد، وكان لا يرضى إلا قائم السيف صاحبا، ولا يعدل عن
(١) القائم الفاطمي: محمد بن عبيد الله، أبو القاسم القائم ابن المهدي العبيدي، صاحب المغرب، ويسمى نزارا، ولد في سلمية بالشام ودخل المغرب مع أبيه، ولما استقر أبوه في ملك المغرب جهزه إلى مصر مرتين، فملك في الأولى الاسكندرية والفيوم، وفي الثانية وصل إلى الجيزة، وقاتله جيش المقتدر العباسي، فعاد القائم إلى المغرب، وبويع بعد موت أبيه سنة ٣٢٢ هـ وهو ثاني ملوك الدولة الفاطمية العبيدية، وأول من تلقب بأمير المؤمنين فيها، قال الذهبي: كان شجاعا مهيبا قليل الخير فاسد العقيدة، أصيب بوسواس وزال عقله، فأظهر سب الأنبياء، وأباد عدة من العلماء، كان يراسل قرامطة البحرين، ويأمرهم بإحراق المساجد والمصاحف، مات محصورا بالمهدية سنة ٣٣٤ هـ. (ابن خلكان ٢/ ٢٧، النجوم الزاهرة ٣/ ٢٨٧، سير أعلام النبلاء الطبقة الثالثة عشرة)