احتضر بالليل لقنه الشهادة، وتوفي السلطان في الليلة المذكورة وهي المسفرة عن نهار الأربعاء ثامن عشري صفر (١) بعد صلاة الصبح سنة تشع وثمانين، وبادر القاضي الفاضل بعد صلاة الصبح فحضر وفاته، ووصل القاضي بهاء الدين بن شداد بعد موته، وغسله الخطيب الدولعي (٢) بدمشق وأخرج بعد صلاة الظهر من نهار الأربعاء المذكور في تابوت مسجى بثوب [فوط](٣) وجميع ما احتاجه من ثياب تكفينه أحضرها القاضي الفاضل من جهات حلّ عرفها.
وصلى عليه الناس ودفن بقلعة دمشق في الدار التي كان مريضا فيها وكان نزوله إلى قبره بعد صلاة العصر من النهار المذكور.
وكان الملك الأفضل ابنه قد حلف الناس له عندما اشتد بوالده المرض، وجلس للعزاء في القلعة، وأرسل الملك الأفضل الكتب بوفاة والده إلى أخيه الملك العزيز عثمان بمصر، وإلى أخيه الملك الظاهر بحلب، وإلى عمه الملك العادل بالكرك، ثم إن الأفضل عمل لوالده تربة قرب الجامع وكانت دارا لرجل صالح، ونقل إليها السلطان يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة ومشى الأفضل بين يدي تابوته، وأخرج من باب القلعة على دار الحديث (٤) إلى باب البريد،
(١): في المصادر اتفاق على وفاة السلطان صلاح الدين في يوم الأربعاء، ولكنها تختلف في تاريخ اليوم المذكور ولعل ذلك ناجم عن الاختلاف في غرة صفر. (٢): هو ضياء الدين عبد الملك بن زيد بن ياسين الدولعي، توفي بدمشق في ربيع الأول سنة ٥٩٨ هـ/ كانون الأول ١٢٠١ م، ترجمته في: سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ج ٨ ق ٢/ ٥١١ - ٥١٢، الذهبي: العبر ٣/ ١٢٣، ابن كثير: البداية ١٣/ ٣٣. (٣): إضافة من أبو شامة (الروضتين ٤/ ٣٦٥). (٤): يقصد دار الحديث النورية، إنشاء نور الدين محمود بن زنكي، وهي أول دار أنشئت للحديث في ديار الإسلام، وهي مقفلة، آئلة للخراب، انظر: بدران: منادمة الأطلال، ص ٥٨ - ٦٠، كرد علي: خطط الشام ٦/ ٧٣ - ٧٤، العلبي: خطط دمشق، ص ٩٠ - ٩٣.