كرمان، ثم استولى على فارس، ودخل شيراز، ونادى بالأمان، وكتب إلى الخليفة بطاعته، وأهدى إليه هدية جليلة منها عشرة بزاة بيض، ومئة رطل مسك، ومسجد فضة مخلّع.
وفي هذه السنة <في> يوم الأربعاء لثلاث بقين من رجب خلع المعتز بالله، وكان سبب ذلك أن الأتراك طلبوا أرزاقهم، فلم يكن عند المعتز مال فنزلوا معه إلى خمسين ألف دينار (٦٣) فأرسل المعتز وسأل أمه قبيحة (١) في ذلك، فقالت: ما عندي شيء، فاتفق الأتراك والمغاربة والفراعنة على خلع المعتز، فصاروا إلى بابه، وقالوا: اخرج إلينا، فقال: شربت دواء، وقد أفرط في العمل، فإن كان لا بد من الاجتماع فليدخل بعضكم إليّ، فدخل إليه جماعة منهم، فجروا برجله إلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس (٢) وخرقوا قميصه وأقاموه في الشمس، وكان يرفع رجلا ويضع أخرى لشدة الحر، وبقي بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده، وأدخلوه حجرة وأحضروا القاضي ابن أبي الشوارب وجماعة فأشهدوهم على خلعه (٣).
ثم سلموا المعتز إلى من يعذبه، ومنعوه الطعام والشراب ثلاثة أيام، ثم أدخلوه سردابا وجصّصوه عليه فمات (٤).
(١): في (أبو الفدا ٢/ ٤٦): «وكان المتوكل قد سماها قبيحة لحسنها وجمالها كما يسمى الأسود كافور». (٢): الدبابيس: ج دبوس، وهو هراوة مد ملكة الرأس في طرفها كتلة صغيرة، انظر: البقلي: التعريف بمصطلحات صبح الأعشى، ص ١٣٣. (٣): يضيف السيوطي (تاريخ الخلفاء، ص ٣٠٨) بعد حادثة الخلع: «ثم أحضروا من بغداد إلى دار الخلافة - وهي يومئذ سامراء - محمد بن الواثق، وكان المعتز قد أبعده إلى بغداد، فسلم المعتز إليه الخلافة، وبايعه». (٤): في المصدر نفسه: «ثم إن الملأ أخذوا المعتز بعد خمس ليال من خلعه، فأدخلوه الحمام فلما اغتسل عطش، فمنعوه الماء ثم أخرج - وهو أول ميت مات عطشا - فسقوه ماء بثلج، فشربه وسقط ميتا».