يلبث فوصل إلى دمشق وخرج كل من بها من العسكر والتقوه وخدموه ونزل بدار والده أيوب المعروفة بدار العقيقي (١)، وعصت عليه القلعة، وكان فيها من جهة الملك الصالح خادم اسمه ريحان فراسله صلاح الدين واستماله فسلم القلعة إليه فصعد إليها صلاح الدين وأخذ ما فيها من الأموال، ولما ثبت قدمه في دمشق استخلف بها أخاه سيف الإسلام طغتكين بن أيوب (٢).
وسار إلى حمص مستهل جمادى الأولى، وكانت حمص، وحماة، وقلعة بارين (٣)، وسلمية، وتل خالد، والرّها من بلد الجزيرة في إقطاع فخر الدين مسعود بن الزّعفراني فلما مات نور الدين لم يمكن فخر الدين مسعود المقام بحمص وحماة لسوء تدبيره مع الناس، وكانت هذه البلاد له بغير قلاعها فإن قلاعها كان فيها ولاة لنور الدين، وليس لفخر الدين معهم في القلاع حكم إلاّ بارين فإن قلعتها كانت له أيضا، فنزل صلاح الدين على حمص في حادي عشر جمادى الأولى وملك المدينة، وعصت عليه القلعة فترك عليها من يضيق عليها، ورحل إلى حماة فملك مدينتها مستهل جمادى الآخرة من السنة وكان بقلعتها
(١): دار العقيقي: تنسب إلى صاحبها أحمد بن الحسين العقيقي المتوفى سنة ٢٧٨ هـ/ ٩٨٨ م. وعلى هذه الدار أقيمت المدرسة الظاهرية الجوانية التي أنشأها الملك السعيد بن الظاهر بيبرس في سنة ٦٧٦ هـ/ ١٢٧٨ م لتكون مدرسة وتربة لوالده وبها دفن هو أيضا في سنة ٦٨٠ هـ/ ١٢٨١ م بعد أن حمل رفاته إليها من الكرك، انظر: بدران: منادمة الأطلال، ص ١١٩ - ١٢٠، كرد علي: خطط الشام ٦/ ٨١، دهمان: في رحاب دمشق، ص ١١٢ - ١٢٨ (٢): توفي بالمنصورة، وهي مدينة أنشأها باليمن، في شوال سنة ٥٩٣ هـ/ أيلول ١١٩٧ م، وتملك بعده ابنه إسماعيل، ترجمته في: ابن خلكان: وفيات الأعيان ٣/ ٥٢٣ - ٥٢٥، سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ج ٨ ق ١/ ٤٥٣، الجندي: السلوك ٢/ ٥٢٩ - ٥٣١، ابن عبد المجيد: بهجة الزمن، ص ١٣٤، الذهبي: العبر ٣/ ١٠٧، ابن كثير: البداية ١٣/ ١٥، ابن الديبع: قرة العيون، ص ٢٨٢ - ٢٨٣، بامخرمة: تاريخ ثغر عدن، ص ١٣٣ - ١٣٦، وانظر ما يلي، ص ١٨٠. (٣): بارين: أو بعرين، بلدة صغيرة جنوب غرب حماة، انظر: أبو الفدا: تقويم البلدان، ص ٢٥٨ - ٢٥٩