كأن نيراننا في جنب قلعتهم … مصبغات على أرسان قصّار (١)
هوت هرقلة لما أن رأت عجبا … حمائما ترتمي بالنفط والنار (٢)
فطرب الرشيد واستعاده عدة مرات، وهو شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة، فأقبل الرشيد على ابن جامع، وقال له: أحسنت أحسنت، فغمز مخارق إبراهيم الموصلي بعينيه وتقدمه إلى الخلاء (٣)، فلما جاء قال له: مالي اراك منكسرا، قال: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على ابن جامع بسبب هذا الصوت، فقال له مخارق: قد والله أخذته، فقال: ويحك إنه الرشيد، وابن جامع من تعلم، ولا يمكن معارضته الا بما يزيد على غنائه، وإلا فهو الموت، فقال: دعني وخلاك ذم، وعرّفه أني أغني به، فإن أحسنت فإليك ينسب إحساني، وأن اسأت فعلي يعود اللوم، قال: صدقت وعاد إلى موضعه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، أراك معجبا بهذا الصوت فوق ما يستحقه ويستوجبه، قال: فلقد أحسن فيه ابن جامع ما شاء، قال: أو لابن جامع هو؟ قال: نعم هكذا ذكر، قال: فإن عبدك مخارقا يغنيه غناء أحسن من هذا وأطيب، فنظر إلى مخارق وقال: تغنيه؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: هاته، فغناه وتحفظ فيه، فأتى بالعجائب، فطرب الرشيد حتى كاد يطير فرحا، وشرب، ثم أقبل على ابن جامع فقال: ويلك، ما هذا! فابتدأ يحلف له بالطلاق وكل محرجة أنه لم يسمع ذلك الصوت قط إلا
(١) المصبغات: الثياب الملونات. القصار: الذي يصبغ الثياب، وقصر الثوب: حوره ودقه، الأرسان هنا: الحبال. (٢) هرقلة: مدينة ببلاد الروم، كان الرشيد غزاها بنفسه ثم افتتحها عنوة بعد حصار وحرب شديد ورمى بالنفط والنار حتى غلب أهلها. (ياقوت: هرقلة). (٣) في الأصل: (إلى الخلافة) وهو وهم من الناسخ.