وعلى هذا -أي على القَولِ بعدمِ جَوازِ الاستِنابةِ- إذا لم يَعمَلِ الأصيلُ وعَمِلَ النائبُ كانَتِ الوَظيفة شاغِرةً، ولا يَجوزُ للناظرِ الصَّرفُ إلى واحِدٍ منهما، ويَجوزُ للقاضي عَزلُه، وعَملُ الناسِ بالقاهِرةِ على جَوازِ الاستِناباتِ في الوَظائِفِ وعَدمِ اعتِبارِها شاغِرةً مع وُجودِ النِّيابةِ.
ثمَّ رَأيتُ في «الخُلاصَة» مِنْ كِتابِ القَضاءِ أنَّ الإمامَ يَجوزُ استِخلافُه بلا إذنٍ بخِلافِ القاضي، وعلى هذا لا تَكونُ وَظيفتُه شاغِرةً وتَصحُّ النيابةُ.
وممَّا يُردُّ على الطَّرسوسيِّ أنَّ الخصَّافَ صرَّحَ بأنَّ للقيِّمِ أنْ يُوكِّلَ وَكيلًا يَقومُ مَقامَه، وله أنْ يَجعلَ له مِنْ مَعلومِه شيئًا، وكَذا في «الإسعاف»، وهذا كالتَّصريحِ بجَوازِ الاستِنابة؛ لأنَّ النائبَ وَكيلٌ بالأُجرةِ كما لا يَخفى، فالذي تَحرَّرَ جَوازُ الاستنابةِ في الوظائفِ (١).
وقالَ ابنُ عابدينَ بعدَما ذكَرَ كلامَ ابنَ نُجيمٍ هذا: ويُؤيِّدُه ما مَرَّ في الجُمعةِ مِنْ تَرجيحِ جَوازِ استِنابةِ الخَطيبِ.
قالَ الخيرُ الرَّمليُّ في «حاشِيَته»: ما تقدَّمَ عن «الخُلاصَة» ذكَرَه في كِتابِ القَضاءِ مِنْ «الكَنز» و «الهِداية» وكَثيرٍ مِنْ المُتونِ والشُّروحِ والفَتاوَى، ويجبُ تَقييدُ جَوازِ الاستنابةِ بوَظيفةٍ تَقبلُ الإنابةَ، كالتَّدريسِ، بخِلافِ التعلُّمِ، وحيثُ تَحرَّرَ الجَوازُ فلا فرْقَ بينَ أنْ يَكونَ المُستنابُ مُساوِيًا له في الفَضيلةِ أو فوقَه أو دونَه كما هو ظاهرٌ، ورَأيتُ لمُتأخِّري الشافِعيةِ مَنْ قيَّدَه