ما قالَ الخصَّافُ، إنْ أمكَنَه أنْ يُباشِرَ ذلكَ استَحقَّ، وإنْ كانَ لا يُمكنُه أنْ يُباشِرَ ذلكَ لا يَستحقُّ شيئًا مِنْ المَعلومِ، وما جعلَ هذه العَوارِضَ عُذرًا في عَدمِ مَنعِه عن مَعلومِه المُقرَّرِ له، بل أدارَ الحُكمَ في المَعلومِ على نَفسِ المُباشَرةِ، فإنْ وُجدَتِ استَحقَّ المَعلومَ، وإنْ لم تُوجَدْ لا يَكونُ له مَعلومٌ، وهذا هو الفِقهُ.
واستَخرَجْنا أيضًا مِنْ هذا البَحثِ والتَّقريرِ جَوابَ مَسألةٍ أُخرى، وهي أنَّ الاستِنابةَ لا تَجوزُ، سَواءٌ كانَ لعُذرٍ أو لغيرِ عُذرٍ، فإنَّ الخصَّافَ لم يَجعلْ له أنْ يَستَنيبَ مع قيامِ الأعذارِ التي ذكَرَها، ولو كانَتِ الاستِنابةُ تَجوزُ كانَ قالَ: ويَجعلُ له مَنْ يَقومُ مَقامَه إلى أنْ يَزولَ عُذرُه، وهذا أيضًا ظاهرُ الدَّليلِ، وهو فقهٌ حَسنٌ. اه
وقَدَّمْنا عن ابنِ وَهبانَ أنه إذا سافَرَ للحَجِّ أو صِلةِ الرَّحمِ لا يَنعزلُ، ولا يَستحقُّ المَعلومَ، مع أنهما فَرضانِ عليه، وإلَّا ما ذكَرَه في «القُنيَة» استَخلَفَ الإمامُ خَليفةً في المَسجدِ ليَؤمَّ فيهِ زمانَ غَيبتِه لا يَستحقُّ الخَليفةُ مِنْ أوقافِ الإمامةِ شيئًا إنْ كانَ الإمامُ أمَّ أكثَرَ السَّنةِ. اه
وحاصِلُه: أنَّ النَّائبَ لا يَستحقُّ مِنْ الوَقفِ شيئًا؛ لأنَّ الاستَحقاقَ بالتَّقريرِ، ولمْ يُوجَدْ، ويَستحِقُّ الأصيلُ الكلَّ إنْ عَمِلَ أكثَرَ السَّنةِ، وسكَتَ عمَّا يُعيِّنُه الأصيلُ للنائِبِ كُلَّ شَهرٍ في مُقابَلةِ عَملِه، هل يَستحِقُّهُ النائِبُ عليه أو لا؟ والظاهِرُ أنه يَستحِقُّه؛ لأنها إجارةٌ وقد وَفَّى العملَ؛ بناءً على قَولِ المُتأخِّرينَ المُفتى به مِنْ جَوازِ الاستِئجارِ على الإمامةِ والتَّدريسِ وتَعليمِ القُرآنِ.