وكانوا في هذا كأهلِ الأَهواءِ من المُسلِمينَ، وفي قَولِه ﵇:«لا يَتوارَثُ أهلُ مِلتَينِ» إشارةٌ إلى ما بَيَّنَّا؛ فإنَّه فسَّرَ المِلتَينِ بقَولِه:«لا يَرثُ المُسلمُ الكافرَ ولا يَرثُ الكافرُ المُسلمَ»(١) ففي تَنصيصِه على الوَصفِ العامِّ في مَوضعِ التَّفسيرِ بَيانُ أنَّهم في حُكمِ التَّوريثِ أهلُ مِلةٍ واحِدةٍ، وحِلُّ الذَّبيحةِ والمُناكَحةِ لا يَقوى الاستِدلالُ به؛ فإنَّ المُسلِمينَ مع اليَهودِ والنَّصارى استَوَوْا في حُكمِ حِلِّ الذَّبيحةِ والمُناكَحةِ، ثم لم يَكنْ دَليلٌ على اتِّفاقِ المِلةِ بينَهم، فكذلك اختِلافُ المَجوسِ مع أهلِ الكِتابِ في حِلِّ الذَّبيحةِ والمُناكَحةِ لا يَكونُ دَليلًا على اختِلافِ المِلةِ فيما بينَهم، وكانَ المَعنى فيه: أنَّ شَرطَ حِلِّ الذَّبيحةِ تَسميةُ اللهِ تَعالى على الخُلوصِ، والكِتابيُّ من أهلِ ذلك؛ لأنَّهم يُظهِرونَ دَعوى التَّوحيدِ وإنْ كانوا يُضمِرونَ في ذلك بعضَ الشِّركِ، فلتَحقُّقِ وُجودِ الشَّرطِ في حَقِّهم حَلَّت ذَبائِحُهم بخِلافِ المَجوسِ؛ فإنَّهم لا يَدَّعونَ التَّوحيدَ، فلا تَصحُّ منهم تَسميةُ اللهِ تَعالى على الخُلوصِ، وهو شَرطُ الحِلِّ (٢).