للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَلا خِلافَ عندَ مالِكٍ وأصحابِه أنَّ مَكَّةَ فُتِحتْ عَنوةً، مُحتَجِّينَ باتِّفاقِ الأئِمَّةِ على أنَّ رَسولَ اللَّهِ دخلَ مَكَّةَ مُجاهِدًا بالأسلِحةِ، ناشِرًا لِلألويةِ، باذِلًا لِلأمانِ لِمَنْ دخلَ دارَ أبي سُفيانَ، وهذا لا يَكونُ إلَّا في العَنوةِ قَطعًا، قالوا: ويَجِبُ أنْ يُعتَقدَ أنَّ النَّبيَّ إنَّما وَدَى الطَّائِفةَ الذين قَتَلَهم خالِدُ بنُ الوَليدِ؛ لِكَونِه أمَّنَهم وعَصَمَ دِماءَهم، جَمْعًا بينَ الأدِلَّةِ، وكانَ مُقتَضَى اتِّفاقِ المالِكيَّةِ على أنَّ مَكَّةَ فُتِحتْ عَنوةً ألَّا يَقولوا بجَوازِ كِراءِ دُورِها، لاسيَّما ومَشهورُ مَذهبِ مالِكٍ أنَّ أرضَ العَنوةِ تَصيرُ وَقَفًا بمُجرَّدِ الِاستيلاءِ عليها، سَواءٌ كانَتْ أرضَ زِراعةٍ أو أرضَ دُورٍ.

لَكِنْ في كِراءِ دُورِ مَكَّةَ أربَعُ رِواياتٍ عن مالِكٍ.

وقالَ أبو حَنيفَةَ : لا بَأْسَ ببَيعِ بِناءِ بُيوتِ مَكَّةَ وأكرَهُ بَيعَ أراضيها، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: لا بَأْسَ ببَيعِ أراضيها أيضًا، ورَوَى سُلَيمانُ عن مُحمَّدٍ عن أبي حَنيفَةَ قالَ: أَكرَهُ إجارةَ بُيوتِ مَكَّةَ في المَوسِمِ، وفي الرجُلِ يُقيمُ ثم يَرجِعُ، فأمَّا المُقيمُ والمُجاوِرُ فلا نَرَى بأخْذِ ذلك مِنهم بَأْسًا، وهو قولُ مُحمَّدٍ، ورَوَى الحَسَنُ بنُ زِيادٍ عن أبي حَنيفَةَ أنَّ بَيعَ دُورِ مَكَّةَ جائِزٌ.

قالَ ابنُ نُجَيمٍ : قولُهُ: وَبَيعُ بِناءِ بُيوتِ مَكَّةَ أو أراضيها، يَعني: يَجوزُ ذلك، أمَّا البِناءُ فظاهِرٌ؛ لأنَّه مِلْكٌ لِبَنَّائِه، ألَا تَرى أنَّه لَو بَنَى في المُستَأجَرِ أوِ الوَقْفِ جازَ البِناءُ، وكانَ مِلْكًا لَه، وأمَّا بَيعُ أراضيها؛ فالمَذكورُ هُنا قولُ أبي يُوسفَ، ومُحمَّدٍ، وهو إحدَى الرِّوايَتَيْنِ عن الإمامِ؛ لأنَّ أراضيَها مَملوكةٌ لِأهلِها؛ لِظُهورِ التَصرُّفِ والِاختِصاصِ، ولِقَولِه

<<  <  ج: ص:  >  >>