قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإذا عدَلَ عن ذلك فقد ترَكَ المَفروضَ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ:«في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ»، «وفي مِئتَي دِرهمٍ خَمسةُ دَراهمَ»(١)، وهو وارِدٌ بَيانًا لمُجملِ قَولِه تَعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]، فتَكونُ الشاةُ المَذكورةُ هي الزَّكاةَ المَأمورَ بها والأمرُ يَقتَضي الوُجوبَ.
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ فرَضَ الصَّدقةَ على هذا الوَجهِ وأمرَ بها أنْ تُؤدَّى ففي كِتابِ أبي بَكرٍ الذي كتَبَه في الصَّدقاتِ أنَّه قالَ: هذه الصَّدقةُ التي فرَضَها رَسولُ اللهِ ﷺ وأمرَ بها أنْ تُؤدَّى، وكانَ فيه «فِي خَمسٍ وعِشرينَ مِنْ الإبلِ بِنتُ مَخاضٍ، فإنْ لَم تَكنْ بِنتُ مَخاضٍ، فابنُ لَبونٍ ذَكرٌ»(٢) وهذا يَدلُّ على أنَّه أرادَ عَينَها لتَسميتِه إيَّاها، وقَولُه:«فإِنْ لَم تَكنْ بِنتُ مَخاضٍ، فابنُ لَبونٍ ذَكرٌ» لو أرادَ الماليَّةَ أو القيمةَ لم يَجزْ؛ لأنَّ خَمسًا وعِشرينَ لا تَخلو من ماليَّةِ بِنتِ مَخاضٍ، وكذلك قَولُه:«فابنُ لَبونٍ ذَكرٌ»، فإنَّه لو أرادَ الماليَّةَ لزِمَه ماليَّةُ بِنتِ مَخاضٍ دونَ ماليَّةِ ابنِ لَبونٍ.
وقد رَوى أبو داودَ وابنُ ماجَهْ بإِسنادَيْهما عن مُعاذٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَه إلى اليَمنِ فقالَ:«خُذِ الحَبَّ مِنْ الحَبِّ، والشَّاةَ مِنْ الغنَمِ، والبَعيرَ مِنْ الإبلِ، والبَقرَ مِنْ البَقرِ»(٣) ولأنَّ الزَّكاةَ وجَبَت لدَفعِ حاجةِ
(١) أخرجه الدارقطني في «سننه» (٢/ ٩٥) كتاب الزَّكاة (٥) باب ليسُ في الخَضرواتِ صدقةٌ ح (٣) وصحَّحه الشَّيخُ الألبانِيُّ ﵀ في «إرواء الغليل» (٣/ ٢٩١). (٢) أخرجه أبو داودَ في «سننه» (٢/ ٩٦) كتاب الزَّكاة (٥) باب زَكاة الماشية ح (١٥٦٧)، وصحَّحه الشيخُ الألبانِيُّ ﵀ في «صحيحِ أبي داودَ» (١٣٩٩). (٣) أخرجه أبو داود في «سننه» (٢/ ١٠٩) كتاب الزَّكاة باب صدقة الزرع ح (١٥٩٩)، وأخرجه ابنُ ماجه في «سننه» (١/ ٥٨٠) كتاب الزَّكاة بابُ ما تَجِبُ فيه الزَّكاة في «الأموالِ» ح (١٨١٤)، وضعَّفه الشَّيخُ الأَلبانِيُّ ﵀ في «صَحيحِ وضَعيفِ أبي داودَ» (١٥٩٩).