الفَقيرِ وشُكرًا لنِعمةِ المالِ والحاجاتُ مُتنوِّعةٌ، يَنبَغي أنْ يَتنوَّعَ الواجِبُ ليَصلَ إلى الفَقيرِ من كلِّ نَوعٍ ما تَندفِعُ به حاجَتُه ويَحصلُ شُكرُ النِّعمةِ بالمُواساةِ من جِنسِ ما أنعَمَ اللهُ عليه به؛ ولأنَّ مُخرِجَ القيمةِ قد عدَلَ عن المَنصوصِ فلم يُجزِئْه كما لو أخرَجَ الرَّديءَ مَكانَ الجَيدِ (١).
وقالَ الإمامُ الآمِديُّ ﵀: ومِن جُملةِ التَّأويلاتِ البَعيدةِ ما يَقولُه أَصحابُ أبي حَنيفةَ في قَولِه ﷺ: «في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ» من أنَّ المُرادَ به مِقدارُ قيمةِ الشاةِ، وذلك لأنَّ قَولَه:«في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ» قَويُّ الظُّهورِ في وُجوبِ الشاةِ عَينًا حيثُ إنَّه خصَّصَها بالذِّكرِ، ولا بدَّ في ذلك من إِضمارِ حُكمٍ، وهو إمَّا النَّدبُ أو الوُجوبُ، وإِضمارُ النَّدبِ مُمتنِعٌ لعَدمِ اختِصاصِ الشاةِ الواحِدةِ من النِّصابِ به فلم يَبقَ غيرُ الواجِبِ.
ولا يَخفى أنَّه يَلزَمُ من تَأويلِ ذلك -بالحَملِ على وُجوبِ مِقدارِ قيمةِ الشاةِ بِناءً على أنَّ المَقصودَ إنَّما هو دَفعُ حاجاتِ الفُقراءِ وسَدُّ خَلاتِهم- جَوازُ دَفعِ القيمةِ، وفيه رَفعُ الحُكمِ، وهو وُجوبُ الشاةِ بما استُنبِطَ منه من العِلةِ، وهي دَفعُ حاجاتِ الفُقراءِ واستِنباطُ العِلةِ من الحُكمِ إذا كانَت مُوجِبةً لرَفعِه كانَت باطِلةً (٢).
(١) «المغني» (٤/ ٤٤). (٢) «الإحكام» (٣/ ٦٣) للإمامِ عليِّ بنِ مُحمدٍ الآمديِّ أبي الحَسنِ المُتوفَّى سنة ٦٣١ هـ دار النشر: دار الكتاب العربي- بيروت ١٤٠٤ - الطبعة الأولى - تحقيق د/ سيد الجميلي.