ثم قُدِّرَ البَدلُ من الدَّراهمِ بعِشرينَ دِرهمًا، والقيمةُ غيرُ مُقدَّرةٍ بالشَّرعِ كقِيمِ المُتلَفاتِ، وإنَّما البَدلُ مُقدَّرٌ بالشَّرعِ كالدِّياتِ، وهذا دَليلٌ ثالِثٌ من الخبَرِ، وهو أَقواها؛ ولأنَّه عدَلَ عن المَنصوصِ عليه إلى غيرِه فلم يُجزئْه كسُكنى دارِه، وهو أنْ يُسكِنَها الفُقراءَ مُدةً تَكونُ أُجرَتُها قَدرَ زَكاتِه؛ ولأنَّه إِخراجُ قيمةٍ في الزَّكاةِ، فوجَبَ ألَّا يُجزِئَه، كما لو أخرَجَ نِصفَ صاعٍ تَمرًا وَسطًا عن صاعِ تَمرٍ رَديءٍ، أو أخرَجَ شاةً سَمينةً عن شاتَينِ مَهزولَتينِ؛ ولأنَّه حَقٌّ في مالٍ يُخرَجُ على وَجهِ الطُّهرةِ فلم يَجزْ إِخراجُ قيمَتِه كالعِتقِ في الكَفارةِ.
فإنْ قيلَ: هو باطِلٌ بجَزاءِ الصَّيدِ يَجوزُ عندَكم إِخراجُ قيمَتِه، قيلَ: غَلطٌ؛ لأنَّ القيمةَ ليسَت مُخرَجةً، وإنَّما يَتعذَّرُ بها البَدلُ المُخرَجُ، ألَا تَراه يُقوِّمُ الجَزاءَ دَراهمَ ثم تُصرفُ الدَّراهمُ في طَعامٍ ولا تُخرَجُ الدَّراهِمُ؟
ولأنَّ الزَّكاةَ تَشتمِلُ على مُقدَّرٍ مَأخوذٍ وهو الزَّكاةُ، ومُقدَّرٍ مَتروكٍ وهو النِّصابُ، فلمَّا ثبَتَ أنَّ القَدرَ المَتروكَ لا يَقومُ مَقامَه ما كانَ في مَعناه، وهو أنْ يَكونَ معه أربَعةٌ من الإبلِ ثَنايا تُساوي خَمسًا من الإبلِ دونَ الثَّنايا وجَبَ أنْ يَكونَ المِقدارُ المَأخوذُ لا يَقومُ مَقامَه ما كانَ في مَعناه.
وتَحريرُ ذلك قِياسًا أنَّه أحَدُ مُقدَّريِ الزَّكاةِ، فوجَبَ ألَّا يُقيَّمَ غيرَ مَقامِه، وإنْ كانَ في معناه كالنِّصابِ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ تَشتمِلُ على مالٍ مُزكًّى وقَدرٍ مُؤدًّى، فلمَّا كانَ المالُ المُزكَّى مُخصوصًا في بعضِ الأَموالِ دونَ بعضٍ وجَبَ أنْ يَكونَ القَدرُ المُؤدَّى مَخصوصًا في بعضِ الأَموالِ دونَ بَعضٍ.