وكذلكَ إذا قالَ لرَجلٍ:«يا ابنَ مُزَيْقِيَا، أو يا ابنَ ماءِ السماءِ» أنه يكونُ قذفًا في حالةِ الغضَبِ لا في حالةِ الرِّضا؛ لأنه يُحتملُ أنه أرادَ به نفْيَ النسبِ، ويُحتملُ أنه أرادَ به المدحَ بالتشبيهِ برَجُلينِ مِنْ ساداتِ العرَبِ، فعامِرُ بنُ حارثةَ كانَ يُسمَّى «ماء السَّماءِ» لصَفائِه وسَخائِه، وعَمرُو بنُ عامرٍ كانَ يُسمَّى «المُزَيْقِيَا» لمَزقِه الثِّيابَ إذْ كانَ ذا ثَروةٍ ونَخوةٍ، كانَ يَلبسُ كلَّ يومٍ ثوبًا جَديدًا، فإذا أمسَى خلَعَه ومزَّقَه لئلَّا يَلبسَه غيرُه فيُساويهِ، فيُحكَّمُ الحالُ في ذلكَ؛ فإنْ كانَ في حالَ الغضَبِ فالظاهرُ أنه أرادَ به نفْيَ النسبِ، فيَكونُ قذفًا، وإنْ كانَ في حالِ الرِّضا فالظاهرُ أنه أرادَ به المدحَ، فلمْ يكنْ قَذفًا.
ولو قالَ لرجلٍ:«أنتَ ابنُ فُلانٍ» لعمِّه أو لخالِه أو لزَوجِ أمِّه لم يكنْ قذفًا؛ لأنَّ العَمَّ يُسمَّى أبًا، وكذلكَ الخالُ وزوجُ الأمِّ.
ولو قالَ:«لستَ بابنِ فُلانٍ» لجَدِّه لم يكنْ قاذِفًا؛ لأنه صادِقٌ في كلامِه حقيقةً؛ لأنَّ الجَدَّ لا يُسمَّى أبًا حقيقةً بل مَجازًا.
ولو قالَ للعَربيِّ:«يا نَبَطيُّ» لم يكنْ قَذفًا، وكذلكَ إذا قالَ:«لستَ مِنْ بَنِي فلانٍ» للقَبيلةِ التي هو منها لم يَكنْ قاذِفًا عندَ عامَّةِ العُلماءِ.
وكذلكَ إذا قالَ:«يا ابنَ الخيَّاطِ، أو يا ابنَ الأصفَرِ، أو الأسوَدِ» وأبوه ليسَ كذلكَ لم يَكنْ قاذِفًا، بل يكونُ كاذِبًا.
وكذلكَ إذا قالَ:«يا ابنَ الأقطَعِ، أو يا ابنَ الأعوَرِ» وأبوه ليسَ كذلكَ يكونُ كاذِبًا لا قاذِفًا، كما إذا قالَ للبَصيرِ:«يا أعمَى».