وأمَّا إبدالُ المَسجدِ بغَيرِه للمَصلحةِ مع إمكانِ الانتفاعِ بالأولِ ففيهِ قَولانِ في مَذهبِ أحمدَ، واختَلفَ أصحابُه في ذلكَ، لكنَّ الجَوازَ أظهَرُ في نُصوصِه وأدِلَّتِه، والقَولُ الآخَرَ ليسَ عنهُ به نَصٌّ صَريحٌ، وإنَّما تَمسَّكَ أصحابُه بمَفهومِ خَطِّه، فإنه كَثيرًا ما يُفتِي بالجَوازِ للحاجةِ، وهذا قد يَكونُ تَخصيصًا للجَوازِ بالحاجةِ، وقد يَكونُ التَّخصيصُ لكَونِ ذلكَ هو الذي سُئِلَ عنه واحتاجَ إلى بَيانِه، وقد بسَطَ أبو بَكرٍ عَبدُ العَزيزِ ذلكَ في «الشَّافي» الذي اختَصرَ منه «زاد المُسافِرِ» فقالَ: حدَّثَنا الخَلَّالُ ثنَا صالِحُ بنُ أحمدَ ثنا أبي ثنَا يَزيدُ بنُ هَارونَ ثنَا المُسعوديُّ عن القاسِمِ قالَ: «لمَّا قَدِمَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ ﵁ على بَيتِ المالِ كانَ سَعدُ بنُ مالِكٍ قد بَنى القَصرَ واتَّخذَ مَسجدًا عندَ أصحابِ التَّمرِ، قالَ: فنُقِبَ بَيتُ المالِ فأخَذَ الرَّجلَ الذي نقَبَه، فكتَبَ إلى عُمرَ بنِ الخَطَّابِ فكتَبَ عُمرُ: أنْ لا تَقطَعِ الرَّجلَ وانقُلِ المَسجدَ واجعَلْ بَيتَ المالِ في قِبلتِه، فإنه لنْ يَزالَ في المَسجدِ مُصَلٍّ، فنقَلَه عَبدُ اللهِ فخَطَّ له هذه الخِطَّةَ»(١)، قالَ صالِحٌ: قالَ أبي: يُقالُ: إنَّ بَيتَ المالِ نُقِبَ مِنْ مَسجدِ الكُوفةِ، فحَوَّلَ عَبدُ اللهِ ابنُ مَسعودٍ المَسجدَ، فمَوضعُ التَّمَّارينِ اليومَ في مَوضعِ المَسجدِ العَتيقِ.
قال: وسَألتُ أبي عن رَجلٍ بَنى مَسجدًا ثمَّ أرادَ تَحويلَهُ إلى مَوضعٍ آخَرَ، قالَ: إنْ كانَ الذي بَنى المَسجدَ يُريدُ أنْ يُحوِّلَه خَوفًا مِنْ لُصوصٍ أو
(١) رواه الطَّبرانِيُّ في «المُعجَم الكَبير» (٨٩٤٩)، قالَ الهَيثميُّ في «مَجمَع الزَّوائِد» (٦/ ٢٧٥): رواهُ الطَّبرانِيُّ، والقاسِمُ لم يَسمعْ مِنْ جَدِّه -أي عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ-، ورِجالُه رِجالُ الصَّحيحِ.