قالَ في «الذَّخيرة»: ضابِطُ هذا البابِ الاشتِهاراتُ العُرفِيةُ والقَرائنُ الحاليَّةُ، فمتَى فُقِدَا حلَفَ، أو وُجِدَ أحَدُهما حُدَّ، وإنِ انتَقلَ العُرفَ وبَطلَ بَطلَ الحَدُّ، ويَختلفُ ذلكَ بحَسبِ الأعصارِ والأمصارِ، وبهذا يَظهرُ أنَّ «يا ابنَ ذاتِ الرايةِ، أو يا ابنَ مُنزِلةِ الرُّكبانِ» لا يُوجِبُ حَدًّا، وأنه لو اشتَهرَ ما لا يُوجِبُ حَدًّا الآنَ في القَذفِ أوجَبَ الحَدَّ.
وإذا قالَ لآخَرَ:«يا مَأبونُ» فإنه يُحَدُّ؛ لأنه حَقيقةً هو صاحبُ العِلَّةِ في دُبرِه، ومَجازًا هو الذي يَتأنَّثُ في كَلامِه كالنِّساءِ، ولذا لو كانَ يَتأنثُ في كلامِه فلا حَدَّ على قاذفِه، ولكنْ يُؤدَّبُ.
وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لآخَرَ:«يا ابنَ النَّصرانِيِّ، أو الأزرَقِ، أو الأعوَرِ» ونَحوهم وليسَ في آبائِه كذلكَ؛ لأنه قد نسَبَ أمَّه للزِّنا، ولا فرْقَ في المَقولِ له بينَ أنْ يكونَ مِنْ العرَبِ أم لا، وإنْ كانَ في آبائِه مَنْ هو كذلكَ فلا حدَّ.
ولو قالَ له:«يا ابنَ الحائِكِ» ونَحوه مِنْ الصَّنائعِ فإنْ كانَ المَقولُ له مِنْ العرَبِ فيُفصَّلُ فيه بينَ أنْ يكونَ في آبائِه كذلكَ فلا حَدَّ، وإلا حُدَّ، وإنْ كانَ مِنْ غيرِ العرَبِ فلا حدَّ مُطلَقًا.
وكذلكَ يُحَدُّ مَنْ قالَ لرَجلٍ:«يا مُخَنثُ» -بفتحِ النونُ وكَسرِها، وهو التكسُّرُ بالقولِ والفعلِ- إنْ لم يَحلفْ أنه لم يُرِدْ قذْفَه، أمَّا إنْ حلَفَ كذلكَ فإنه لا يُحَدُّ.
وأمَّا لو قالَ شَخصٌ لآخَرَ: «يا فاسِقُ، أو يا فاجِرُ، أو يا شارِبَ الخَمرِ، أو يا ابنَ الفاسِقةِ، أو يا ابنَ الفاجِرةِ، أو يا آكِلَ الرِّبا، أو يا حِمارُ، أو يا ابنَ