للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهذا يُؤيِّدُ التَّأويلَ الأولَ، وهو: أنَّ الذي يَغنَمُ يَرجعُ بأجرٍ، لكنَّه أنقَصُ من أجرِ مَنْ لم يَغنمْ، فتَكونُ الغَنيمةُ في مُقابلةِ جُزءٍ من أجرِ الغَزوِ، فإذا قُوبلَ أجرُ الغانِمِ بما حصَلَ له من الدُّنيا وتَمتُّعِه بأجرِ مَنْ لم يَغنمْ مع اشتِراكِهما في التَّعبِ والمَشقةِ كانَ أجرُ مَنْ غنِمَ دونَ أجرِ مَنْ لم يَغنمْ، وهذا مُوافِقٌ لقَولِ خَبابٍ في الحَديثِ الصَّحيحِ الآتي: «فمِنَّا مَنْ ماتَ ولم يَأكلْ من أجرِه شَيئًا … » الحَديثَ.

واستَشكَلَ بعضُهم نَقصَ ثَوابِ المُجاهدِ بأخذِه الغَنيمةَ، وهو مُخالِفٌ لما يَدلُّ عليه أكثَرُ الأحاديثِ، وقد اشتُهِرَ تَمدُّحُ النَّبيِّ بِحِلِّ الغَنيمةِ وجعَلَها من فَضائِلِ أُمَّتِه، فلو كانَت تَنْقُصُ الأجرَ ما وقَعَ التَّمدحُ بها.

وأيضًا: فإنَّ ذلك يَستلزِمَ أنْ يَكونَ أجرُ أهلِ بَدرٍ أنقَصَ من أجرِ أهلِ أُحدٍ مَثلًا مع أنَّ أهلَ بَدرٍ أفضَلُ بالاتِّفاقِ، وسبَقَ إلى هذا الإشكالِ ابنُ عبدِ البَرِّ وحَكاه عِياضٌ، وذكَرَ أنَّ بعضَهم أجابَ عنه بأنَّه ضعَّفَ حَديثَ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو؛ لأنَّه مِنْ رِوايةِ حُمَيدِ بنِ هانِئٍ وليسَ بمَشهورٍ، وهذا مَردودٌ؛ لأنَّه ثِقةٌ يُحتَجُّ به عندَ مُسلمٍ وقد وثَّقَه النَّسائيُّ وابنُ يُونسَ وغيرُهما، ولا يُعرَفُ فيه تَجريحٌ لأحدٍ.

ومنهم مَنْ حمَل نَقصَ الأجرِ على غَنيمةٍ أُخذَت على غيرِ وَجهِها، وظُهورُ فَسادِ هذا الوَجهِ يُغني عن الإطنابِ في رَدِّه؛ إذْ لو كانَ الأمرُ كذلك لم يَبقَ لهم ثُلثُ الأجرِ ولا أَقلُّ منه.

<<  <  ج: ص:  >  >>