للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تَبيَّنَ أنَّ هذا ليسَ تَعليقًا بأمرٍ كائنٍ، ولأنَّ دُخولَ الوُقوعِ تحتَ مَشيئةِ اللهِ تعالَى غيرُ مَعلومٍ، وهذا هو تَفسيرُ تَعليقِ الطلاقِ بمَشيئةِ اللهِ ﷿.

ولأنه طَلاقٌ علَّقَه بصِفةٍ صَحيحةٍ، فوجَبَ أنْ لا يَقعَ قبلَ وُجودِها، أصلُه إذا علَّقَه بدُخولِ الدارِ، ولأنَّ كلَّ يَمينٍ لو علَّقَها بمَشيئةِ آدمِيٍّ لم تَقعْ قبلَ العِلمِ بها، وجَبَ إذا علَّقَها بمَشيئةِ اللهِ أنْ لا تَقعَ قبلَ العِلمِ بها كاليَمينِ باللهِ، ولأنه لمَّا ارتَفعَ بمَشيئةِ اللهِ حُكمُ اليَمينِ باللهِ مع عِظَمِ حُرمتِها كانَ رَفعُ ما دونَه في الحُرمةِ مِنْ العِتقِ والطلاقِ أَولى.

ولأنَّ اللهَ تعالَى قد أمَرَ بها وندَبَ إليها بقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، أي: إلا أنْ تَقولَ: إنْ شاءَ اللهُ، ولو لم يَحصلْ بهِ صِيانةُ الخبَرِ عن الخُلفِ في الوَعدِ لم يَكنْ للأمرِ بهِ معنًى.

ولأنَّ الاستِثناءَ المَوصولَ يُخرِجُ الكَلامَ مِنْ أنْ يكونَ عَزيمةً، قالَ اللهُ تعالَى خبَرًا عن مُوسَى عليه وعلى نَبيِّنا أفضَلُ الصلاةُ والسلامِ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، ولم يَصبِرْ ولم يُعاتَبْ على ذلكَ، والوَعدُ مِنْ الأنبياءِ كالعَهدِ مِنْ غيرِهم، فصَحَّ استِثناؤُه حتى لم يَصِرْ بتَركِ الصَّبْرِ مُخلِفًا في الوَعدِ، ولولا صحَّةُ الاستِثناءِ لَصارَ مُخلِفًا في الوَعدِ بالصَّبْرِ، والخُلفُ في الوَعدِ لا يَجوزُ، والنبيُّ مَعصومٌ.

فمَشيئةُ اللهِ تَرفعُ حُكمَ كلِّ قَولٍ اتَّصلَ بها مِنْ طلاقٍ وغيرِه، سَواءٌ

<<  <  ج: ص:  >  >>