فقامَ خَطيبًا وقالَ: «إنَّ المتعةَ كالميتةِ والدَّمِ ولَحمِ الخنزيرِ»، فأمَّا إِذنُ رَسولِ اللهِ ﷺ فيها فقدْ ثبَتَ نسخُه، وأمَّا حديثُ عُمرَ إنْ صحَّ عنهُ فالظاهرُ أنه إنَّما قصَدَ الإخبارَ عن تحريمِ النبيِّ ﷺ لها ونهيِه عنها، إذ لا يَجوزُ أن يَنهى عمَّا كانَ النبيُّ ﷺ أباحَهُ وبقيَ على إباحَتِه (١).
ولأنَّ للنكاحِ أحكامًا تتعلَّقُ بصحَّتِها ويَنتفِي عن فاسدِهِا، وهيَ الطلاقُ والظِّهارُ والعِدَّةُ والميراثُ، فلمَّا انتَفتْ عنِ المتعةِ هذهِ الأحكامُ دلَّ على فَسادهِ كسائرِ المَناكحِ الفاسدةِ (٢).
وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: وممَّا يَدلُّ على تحريمِ المتعةِ مِنْ طريقِ النظرِ أنَّا قد عَلِمْنا أنَّ عقْدَ النكاحِ وإنْ كانَ واقعًا على استباحةِ مَنافعِ البُضعِ فإنَّ استِحقاقَ تلكَ المنافعِ بعَقدِ النكاحِ بمَنزلةِ العُقودِ على المَملوكاتِ مِنْ الأعيانِ، وأنه مُخالِفٌ لعُقودِ الإجاراتِ الواقعةِ على منافعِ الأعيانِ، أَلَا تَرى أنَّ عقْدَ النكاحِ يَصحُّ مُطلَقًا مِنْ غيرِ شَرطِ مدَّةٍ مَذكورةٍ لهُ، وأنَّ عقودَ الإجاراتِ لا تَصحُّ إلَّا على مُدَدٍ مَعلومةٍ أو على عَملٍ مَعلومٍ، فلمَّا كانَ ذلكَ حُكمَ العقدِ على مَنافعِ البُضعِ أشبَهَ عُقودَ البياعاتِ وما جَرَى مَجراها إذا عُقدَتْ على الأعيانِ، فلا يَصحُّ وُقوعُه مُوقَّتًا كما لا يَصحُّ وقوعُ التَّمليكاتِ في الأعيانِ المَملوكةِ مُوقَّتةً، ومتَى شُرطَ فيهِ التَّوقيتُ لم يكنْ نِكاحًا، فلا تَصحُّ استباحةُ البُضعِ بهِ كما لا يَصحُّ البيعُ إذا شُرطَ فيهِ تَوقيتُ
(١) «المغني» (١٣٦، ١٣٧).(٢) «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٣١).
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute