قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: الفِطرُ بالحِجامةِ على وَفقِ الأُصولِ والقياسِ من جِنسِ الفِطرِ بدَمِ الحَيضِ والاستِقاءةِ وبالاستِمناءِ، وإذا كان كذلك فبأيِّ وَجهٍ أراد إخراجَ الدَّمِ أفطَرَ كما أنَّه بأيِّ وَجهٍ أخرَج القَيءَ أفطَرَ سَواءٌ جذَب القَيءَ بإدخالِ يَدِه أو بشَمِّ ما يُقيئُه، أو وَضعِ يَدِه تحتَ بَطنِه واستِخراجِ القَيءِ، فتلك طُرُقٌ لِإخراجِ القَيءِ وهذه طُرُقٌ لِإخراجِ الدَّمِ، ولِهذا كان خُروجُ الدَّمِ بهذا، وهذا سَواءٌ في (بابِ الطَّهارةِ) فتَبيَّن بذلك كَمالُ الشَّرعِ واعتِدالُه وتَناسُبُه، وأنَّ ما ورَد من النُّصوصِ ومَعانيها؛ فإنَّ بَعضَه يُصدِّقُ بَعضًا ويُوافِقُه ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وأمَّا الحاجِمُ؛ فإنَّه يَجتذِبُ الهَواءَ في القارورةِ بامتِصاصِه، والهَواءُ يَجتذِبُ ما فيها، فرُبَّما صَعِد مع الهَواءِ شَيءٌ من الدَّمِ ودخَل في حَلقِه وهو لا يَشعُرُ، والحِكمةُ إذا كانت خَفيَّةً أو مُنتشِرةً عُلِّقَ الحُكمُ بالمَظنَّةِ كما أنَّ النائِمَ الذي تَخرُجُ منه الرِّيحُ ولا يَدري يُؤمَرُ بالوُضوءِ، فكذلك الحاجِمُ يَدخُلُ شَيءٌ من الدَّمِ مع رِيقِه إلى بَطنِه وهو لا يَدري والدَّمُ من أعظَمِ المُفطِراتِ؛ فإنَّه حَرامٌ في نَفسِه لِما فيه من طُغيانِ الشَّهوةِ والخُروجِ عن العَدلِ والصائِمُ أُمِرَ بحَسمِ مادَّتِه فالدَّمُ يَزيدُ الدَّمَ فهو من جِنسِ المَحظورِ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٣٦٧)، والترمذي (٧٧٤)، وأبو داود (٢٣٦٧).